صرخة من واشوكاني.. المناضل والموسيقي والعامل (مجيد بادلي) يحوّل خيمته إلى مكان للعمل لتأمين لقمة عيشه وأولاده

2020-10-19

أيها الغزاة: قسماً نحن عائدون.. استطعتم احتلال أرضنا ولكن لن تستطيعوا قتل إرادتنا..
وأنا أتجول ضمن مخيم واشوكاني، تمتزج صور أطفال حفاة مع أصوات البكاء تارة والغناء تارة أخرى، وكأنني أسمع من يتكلم معي يوقظني من غفلتي: الخيم سئمت الانتظار، تراكمت عليها الغبار، وكأن جميع الخيم تتوحد في إيصال رسائل موحدة، أيتها الضمائر تعالي وتصفحي ما في داخلنا من صفحات البؤس والكآبة وقصص الظلم وروايات المظلومين، الخيم تتضرع إلى السماء وتشكر الأرض لتنقل مآسي من هجروا من منازلهم ونزحوا إلى جوار أشجار لم تبقى منها سوى الجذور وصخور افترقت منها بقايا الحجارة وكأن تلك الخيم تنقل همومها إلى السماوات السبع علها تشفق على من بداخلها لتترأف بهم من إرهاب المعتدي وموت ضمائر العالم الظالم والعواصف الهوجاء والسيول والأعاصير وحبات البرد التي تشبه أزيز الرصاص لحظات خروج ساكني تلك الخيم من بيوتهم, وكأن الخيم أيضاً سئمت من التصاريح... وكلمة استقبل.. وودع وســـ و ســـــ وســـــ ، وموت الوجدان وتجارة البشر والأقوام والأمم في دهاليز دور العدالة واجتماعات الفاسدين... الحقيقة كلمات كنت أنظر إلى تلك الخيم كنت أزداد تأملاً وأقف أكثر عند تلك المناظر التي تحرك مشاعري أكثر من اجتماعات الأحياء، فالخيم تتكلم وتدفعك للاستماع وسؤال من في داخلها، ولكن رغم تلك اللحظات من الصمت والتوقف تابعت أتجول بين تلك الخيم أتعلم منها دروس القدر وخبث البشر.
استوقفني صوت ماكينة خياطة وكأنها تعزف سيمفونية المعذب لحظات الأنين لدى مداعبة الإبرة لثنايا القماش يشترك بالعزف كل من (الإبرة والمحرك والقدم والقلب والعقل) لا تردد في ترجمة السلم الموسيقي في مخيلة العازف وهو يحاول التعبير عن هيجانه بماكينة الخياطة.
اقتربت أكثر من تلك الخيمة فأيقنت أن الخيمة لا تخون قاطنيها، فهي حزينة لأجلهم، يائسة من الخارج ولكن داخلها يوحي لك بأنك في محل تجاري في أفخم منطقة، حيث يحيط بماكينة الخياطة أنواع من الأقمشة معلقة على أطراف الخيمة من الداخل وكأنك في معرض قد تنتظر تلك القطع من الأقمشة دورها إما للبيع أو للتفصيل.
دخلنا إلى الخيمة بعد الاستئذان ليستقبلنا العازف على تلك الآلة بابتسامة صادقة ويطلب منا الدخول هو وزوجته وأطفاله الستة يتعاونون بالعمل ضمن الخيمة، وبعد الجلوس، طلبنا التعرف أكثر على هذا الشخص الذي حول تلك الخيمة الكئيبة إلى محل للخياطة والتسوق للأقمشة والملابس. إنه عبد المجيد حسين بادلي، ملقب بـ (مجيد بادلي ) عضو مجلس منظمة زركان للحزب اليساري الكردي في سوريا.
هو من كان يعزف على ماكينة الخياطة ليقول لنا نعم نحن هجّرنا من قرى زركان التابعة لسري كانيه عند بداية الغزو الهمجي للاحتلال التركي ومرتزقته، وإنقاذاً لأطفالنا الصغار وعوائلنا عانينا ما عانيناه من ألم النزوح وترك منازلنا وقرانا.
كيف تأقلمت مع أجواء المخيم؟
الحقيقة في البداية لاقينا صعوبة تقبل الوضع الحالي، العيش في خيمة صغيرة، ولكن إصرارنا وإرادتنا بأن الإنسان هو محور الحياة وأساس الحياة زرعت الأمل في أسرتي وبدأنا بالعمل بمجرد أن أصبح لدينا عمل أصبح لنا الأمل وتخلصنا من روح اليأس، وكلما تعمقت في عملي والاحتكاك من الناحية الاجتماعية مع المكونات في المخيم من مناطق متفرقة شعرت بأننا لسنا الكرد فقط مظلومين بل هناك من يقاسمنا الظلم والتهميش، فهم أيضاً ضحايا مثلنا للأنظمة والسلطات الظالمة، فأصبحت بعد ضعفي قوياً أزرع روح التفاؤل في قلوب ونفوس كل من أجتمع به لأتأكد بأن المشكلة الأساسية هي في بناء إنسان بعيد عن الأنانية والعنصرية والخوف والرؤية الحزبية الضيقة والتخلف والجهل والأفكار السلطوية البالية، وبأننا في هذا المخيم أيضاً نستطيع إيصال أصواتنا للحزب اليساري الكردي خاصة والكرد عامة لعموم القاطنين في المخيم بأن يتفهموا الحقائق، بأننا شعب مضطهَد وأصحاب حقوق سلبها السلطات منا عبر مراحل التاريخ القديم والحديث..
ومن الناحية المادية كانت مهنتي الخياطة، فقررت أن أقتني ماكينة خياطة وبعد ذلك كانت هناك صعوبة لتأمين الأقمشة فقررت أن أشتري كميات صغيرة بالبداية لتفصيلها وبيعها وبذلك عالجت المشكلة المادية بعض الشيء، وأصبحت متفائلاً أكثر عندما أصبحت أحتك مع أناس كثيرين همومهم تزيد على همومي وأسرتي.
ما هي رسالتك وكلمتك الأخيرة؟
بشكل خاص أخاطب الساسة الكرد والأحزاب الكردية والمثقفين والوطنيين أن يتحدوا ويستفيدوا من هذه الفرصة التاريخية، فالخرائط السياسية للدول ستتغير جغرافياً، والتاريخ لن يرحمهم، والأجيال ستلعنهم إن فضلوا مصلحتهم الحزبية الضيقة على مصلحة قضية الشعب الكردي وحقوقه الديمقراطية العادلة.
وأقول للسوريين والعالم أجمع إن الكرد أصحاب حق ورسالة في الحياة، وأصحاب حضارة وتاريخ، هم ليسوا عنصريين وليسوا إرهابيين، هم خدموا التاريخ والحضارة والفلسفة والدين وكافة الأقوام على مر مراحل التاريخ، يجب أن يعترف العالم عامة بحقيقة الكرد وحقوق الكرد.
أقول بأننا سنعود إلى قرانا ومناطقنا، والظلم لن يدوم لأننا أصحاب حق، الحقيقية التي يجب أن يعلمها العالم أن أساس بناء الحضارات والمجتمعات هو الإنسان وليست الأسوار والتكنولوجيا والحداثة الرأسمالية، بل الفكر والإيديولوجيا والعمل والإرادة هي التي ستنتصر في النهاية، أكرر القول بأنني متفائل بالعودة إلى مناطقنا ومستقبل أفضل للكرد في سوريا... عائدون.. عائدون.. عائدون.
إعداد وحوار: أزهر أحمد