أوهام النظام السوري غير المنتهية - فتح الله حسيني

2020-10-19

ما فتأ رأس النظام السوري، بشار الأسد، أو أي من أركان وأقطاب نظامه الضعيف غير المسؤول سياسياً وأخلاقياً عن عموم الخارطة السورية الممزقة بإطلاق تصريحات رنانة ونارية في آن معاً، من شأن تلك التصريحات زعزعة ما تبقى من صنوف الأمن والاستقرار على مجمل الجغرافيات المختلفة من البلاد السورية، وبقدر ما أولئك المراهنون والمغامرون يطلقون الاتهامات جزافاً حيال الكرد ومشاريعهم السياسية والعسكرية، لا يطلقون ذات الاتهامات على جرائم وانتهاكات الجماعات الإرهابية والمتطرفة والراديكالية الموزعة في الأراضي السورية، والتي وصلت بتلك الجماعات ذروة عدم اللامسؤولية في رفع العلم التركي وصور زعيم الإرهاب رجب طيب أردوغان فوق مباني ومؤسسات تلك المناطق التي تسيطر عليها أو تحتلها عنوة بدون إرادة النظام وبدون إرادة الشعب الذي هجر أو تم تهجيره عنوة تحت ضغط السلاح وفوضاها على تلك الأماكن المختلفة، وربما بات، ذات المهجرين، وأكثرهم يعيشون أو يستمرون بعيشهم وحياتهم في مناطق الإدارة الذاتية الكردية، بأمن وأمان، تلك الإدارة التي حافظت ولو بشكل نسبي على استتباب السلم الأهلي دون غيرها من المناطق في سوريا.
إن وهم رئيس النظام السوري بشار الأسد، من خلال تصريحه الأخير لقنوات إعلامية روسية، بأنه وجيشه سيسطرون مرة أخرى، أو مجدداً على تلك المناطق التي تقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية هو بحد ذاته، ضرب من الوهم والوهن معاً، حيث وبعد طول الأزمة وتعمقها أكثر فأكثر، حيث الأسد وجيشه أحد أهم أقطاب تلك الأزمة واستفحالها، لم يطلقوا، على مدى عشر سنوات عجاف خلت، ولو مبادرة واحدة وحيدة من أجل إحلال السلم الأهلي، بديلاً عن الحرب وطبولها، أو طرح مبادرة جادة للحل السياسي بعد فشل الحلول العسكرية وصبغة العسكرتاريا المقيتة، وخاصة بين جغرافيتي جيش النظام وقوات سوريا الديمقراطية، إلا أن الوهم المفرط الذي يخيم على عقلية الأسد وأركان نظامه ما زالت كما هي، بعد مرور سوريا بمراحل خطيرة وعصيبة جداً، على رؤوس الشعوب السورية المختلفة، حيث ظهور إرهابيي جبهة النصرة إلى ظهور إرهابيي داعش، وتحطم أسطورتها المقيتة، وظهور فصائل إرهابية تحت مسميات مختلفة أيضاً، إلى تعميم الفوضى التي تلازم مناطق مختلفة من سوريا، وفوق كل ذلك ضعف الجيش النظامي السوري الذي بات جيشاً طائفياً دون أية صفة أخرى، كل ذلك وما زال رأس النظام يفكر ويخطط بذات العقلية التي كانت عليها قبل ظهور بوادر الأزمة السورية المميتة حقاً.
لذلك، بادر الكرد، وعبر ندوات متفرقة ومتتالية، ومن خلال مجلس سوريا الديمقراطية، إلى إرسال رسائل كردية واضحة دون رتوش تماماً، وبلغة فصيحة، إلى مرمى نظام الأسد وقصره، خاصة بعد توصيف "تحول سوريا إلى كتلة رماد" الذي بات، بحق، صفة تنطبق تماماً على الحالة السورية الراهنة، وأهم تلك الرسائل الكردية الواضحة الخمس هي:
الرسالة الكردية الأولى: الحكومة السورية مصرة على أن تدير البلاد بعقليتها السلطوية ولا تتنازل عن قراراتها بما يخص حل الأزمة، والمعارضة تخدم الأجندات الخارجية خاصة الدولة التركية.
الرسالة الكردية الثانية: الحكومة السورية تعتبر نفسها الصاحب الأصلي لسوريا، وتطلق تصريحات نارية بأنها سترجع إلى المنطقة آجلاً أو عاجلاً، وبقوة السلاح، بعد رفضه محاولات الحل السياسي، وبات النظام ينحاز إلى الفتنة أكثر من الانحياز إلى الحوار.
الرسالة الكردية الثالثة: الكرد طلاب حل سياسي وتوافق ومشاركة حقيقية في القرار السياسي السوري، ولكن النظام ينسف كل المحاولات التي يبادر بها الكرد في سبيل الوصول إلى تفاهمات وحل سياسي شامل دون أجندات خارجية.
الرسالة الكردية الرابعة: مناطق شمال وشرق سوريا والإدارة الذاتية ستكون الركيزة الأساسية للانطلاق بسوريا إلى مرحلة جديدة، إذا أراد النظام بمسؤولية وإرادة وطنية بناء سوريا بعد كل تلك الأنقاض.
الرسالة الكردية الخامسة: البدء بالحوار الكردي- الكردي، يخدم ترتيب البيت الكردي الذي هو أصلاً مشروع وطني وقومي معاً، ولكنه مشروع يخدم الحل السياسي ولا يخدم الانفصال الذي يعلنه أركان النظام بين فينة وأخرى كتهمة جاهزة ضد الكرد ومشروعهم السياسي المتبلور في الإدارة الذاتية.
مبادرة الكرد واضحة ورسائلهم أكثر وضوحاً وعلى النظام قراءتها بشكل جيد والتقرب منها بمسؤولية لا ردها، بحجة أن أوهام النظام السوري لا تنتهي وربما، غير قابلة للانتهاء أصلاً.