الريف السوري: انعدام الخدمات وخسائر زراعية تقدر بمليارات الدولارات

2020-10-19

على الرغم من تعدد الدراسات والمصادر حول حقيقة الريف السوري والخسائر التي مُني بها منذ عام 2011م، إلا أن العامل المشترك بينها هو فداحة الخسارة وأرقامها المهولة، فقد غيرت الحرب التركيبة السكانية في الريف.
وبالعودة إلى تاريخ التوزع السكاني في سوريا بين الريف والمدينة، فإن الفترة بين 1970-1980 اعتبرت أكثر الفترات التي شهدت تراجعاً في سكان الريف السوري، نتيجة الهجرة إلى المدينة، لكن في المقابل، ومع بداية الحراك الشعبي في سوريا عام 2011 انخفض عدد سكان الأرياف انخفاضاً كبيراً، حيث فقد الريف السوري أكثر من 5 مليون نسمة خلال سنوات الحرب.
وفي دراسة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بيّنت أن الريف السوري بشكل عام كان المتأثر الأكبر من الحرب الدائرة، وذلك من خلال عرضه لخريطة توزع السكان في عامي 2011 و 2015م.
وفي تحليل لمراكز دراسات، فإن الريف السوري بشكل عام خسر أكثر من 6 ملايين نسمة بين نزوح وتهجير ووفيات طبيعية أو جراء المعارك والعمليات العسكرية الدائرة، وبهذا وبمقارنة مع دراسة منظمة (الفاو) فإن الريف السوري خسر أكثر من 50% من مجمل عدد السكان المقيمين فيه في عام 2011م.
وفيما يخص الآثار المترتبة على تغير التركيبة السكانية والتوزع الديموغرافي لسكان الريف السوري، فإن معظم الدراسات والتقارير التي تتم ليست دقيقة وإن الدراسات حول عملية التغيير التي حدثت في أرياف سوريا أرقامها أكثر من ذلك بكثير، حتى الدراسات التي تقوم بها المنظمات الدولية ليست بالدقة الكافية لاستحالة الوصول لتلك المناطق.
هناك قرى دمرت بالكامل ولم يعد لها وجود بفعل العمليات العسكرية، وهناك عمليات نزوح جماعي، وهجرة غير شرعية لآلاف الأشخاص لا يمكن حسابها، لكن في المقابل هذا التغير السكاني مهما كان حجمه سيؤثر على سوريا في المستقبل وبعد انتهاء الحرب، حيث أن أكثر من نصف سكانها أصبحوا في دول الجوار وأصبحت الأراضي دون فلاحة، ما زاد نسبة التصحر، مقابل زيادة نسبة الإناث مقابل الأيدي العاملة من الذكور، وبالتالي أصبح هناك اختلال في التوزع الديموغرافي للسكان.
خسائر قطاع الزراعة:
بعد أن تم استعراض عملية التغير السكاني والديموغرافي في الريف السوري الذي يعتمد في غالبيته على الزراعة، كان لابد من معرفة أثر الحرب على القطاع الزراعي السوري، فمن المعروف أن مساحة سوريا تبلغ حوالي 18.5 مليون هكتار، نحو 6.5 مليون هتكار منها قابل للزراعة، منها 5.7 مليون هكتار مستثمر، (حسب إحصائية لوزارة الزراعة التابعة للنظام السوري).
قبيل الحرب في سوريا عام 2011، كان يعمل في القطاع الزراعي أكثر من مليون عامل، وتسهم الزراعة بـ 17.6% من الناتج الإجمالي، وتحقق اكتفاء ذاتي من القطن والقمح والزيتون والعديد من المواد الاستراتيجية، حيث وصلت نسبة الصادرات الزراعية السورية نحو 31% من إجمالي الصادرات في عام 2010م.
انخفضت نسبة مساهمة القطاع الزراعي السوري في الناتج المحلي من 18% عام 2010 إلى حدود 5% بعد 2011، حيث قدرت مجموع الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي حتى العام 2016 حوالي 220 مليار ليرة سورية.
في حين أظهرت دراسات حديثة عن القطاع الزراعي السوري عن أن القيمة الكلية للخسائر والأضرار وصلت إلى حوالي 25 مليار دولار، منها نحو 5 مليار دولار كلفة الأضرار في البنى التحتية.
الدراسات في الوقت ذاته، لفتت إلى أن التكلفة المبدئية لإعادة قطاع الزراعة على مدار 3 سنوات تتراوح ما بين 15 مليار دولار إلى 22 مليار دولار في المجمل، وذلك اعتماداً على التغيرات في النزاع واحتمالات الوصول لحل سلمي سواء جزئياً أو كلياً.
إنَّ العيش في ظروف البيئية الفقيرة قليلة الموارد ونقص فرص العمل في الأرياف، تعمل على دفع الأفراد بعيداً عن الريف باتجاه المدينة ويترك أفراد الريف بسبب قلَّة الرعاية الصحية وقلَّة الفرص المتعلقة بالتعليم والتغيرات البيئية مثل الجفاف والفيضانات وقلّة الأراضي التي تنفع للزراعة؛ ومن أهم تلك الأسباب:
أسباب الهجرة الريفية:
- الفقـر المدقع في الريف وانعدام الأمن الغذائي: حيث إنّ ما يزيد على 75% من الفقراء ومن يفتقرون للأمن الغذائي هم من أهل المناطق القروية، حيث غالبًا ما يعتمدون على الإنتاج الزراعي بطرق قديمة لتأمين معيشتهم، كما يواجهون مصاعب كبيرة في الحصول على المنح أو القروض لتحسين زراعتهم، كما يصعب عليهم الوصول إلى الأسواق.
- ضعف توافر فـرص العمل: حيث إنّ معظم الفرص الوظيفية الموجودة في القرية هي في مجال الزراعة وبأجور زهيدة، وبظروف غير صحية وضعف في العدالة والمساواة، إضافةً إلى قلة توفر فرص التدريب والخدمات الإرشادية.
- عـدم المساواة في الخدمات: حيث يرغب أهل القرية بالهجرة؛ بسبب الحصول على الخدمات الحكومية والتعليمية والصحية الأفضل والمزيد من الحماية الاجتماعية.
- التغير المناخي: حيث إنّ معظم صغار الملاك والمزارعين والصيادين والقرى المعتمدة على الغابات والرعي الطبيعي هي من أكثر الفئات تأثرًا بالتغير المناخي وما ينتج عنه من كوارث طبيعية.
- استنزاف الموارد الطبيعية والتدهور البيئي: حيث إنّ التغير المناخي والتصحر قد حوّل الكثير من الأراضي الزراعية إلى صحاري؛ مما أضعف كثيرًا من قدرة وإنتاجية المزارعين.
نتائج الهجرة القروية:
تتعدد أسباب ونتائج الهجرة القروية، فهناك نتائج ديموغرافية أو سكانية، وأخرى اقتصادية واجتماعية مثل اختلاف التركيب النوعي وغيرها الكثير، ومن أهم هذه نتائج الهجرة القروية ما يأتي:
- نتائج ديموغرافية: حيث يتغير عدد السكان بسبب الهجرة القروية في اتجاهين متضادين، من زيادة في أعدادهم في المدن، ونقص في القرى والأرياف، حيث ينتج نمو حضاري عشوائي في المدن، مما يؤدي لنقص في الخدمات العامة، وزيادة البطالة والانحراف والتحضر الشكلي أو الزائف.
- نتائج اقتصادية: حيث يُمكن للصناعات والخدمات في المدينة امتصاص البطالة، كما تنشأ مهن جديدة ويرتفع أجر العامل المهاجر في المدينة، مع ذلك في الصورة العامة ينخفض مستوى الأجور عن السابق، وترتفع نسبة البطالة، وفي القرية تنقص الأيدي العاملة ويفتقر الريف للكفاءات.
- نتائج اجتماعية: ففي المدينة، تزداد نسبة الجرائم، كما يمارس القرويون عاداتهم التي لا تتفق مع الحياة الحضرية، وتنتشر مدن الصفيح التي هي بؤرة المشاكل الاجتماعية، وفي القرى يختلف التركيب النوعي وترتفع نسبة الإناث، وتقل التوجهات لتطوير الريف مما يزيد من تخلفه.
حلول:
لحلّ هذه المشكلة لا بدّ في البداية من بتر الأسباب الّتي تؤدّي لأفضليّة المدن أو التقليل منها، والعمل على أن لا تكون الأرياف مهجورة حتّى وإن حصلت الضرورة للعمل في المدن، ففي بادئ الأمر لا بدّ من أن يكون هناك ما يكفي من الخدمات في الأرياف كالخدمات الصحيّة والتعليم وذلك كإنشاء مستشفى في منطقة وسطيّة بين القرى ودوائر حكوميّة فرعيّة، أي أن يكون هناك ما يشبه المدينة المصغّرة في وسط الريف، ومن ثمّ نقل جزء من الأعمال إلى مناطق الريف كأن تكون هناك شركات في المناطق الريفيّة، وشيئاً فشيئاً تكون المنطقة الوسطيّة تلك كمدينة ريفيّة يرجع إليها أهل الريف في أعمالهم وحياتهم اليوميّة، وتساعد على بقاء أهل الريف في موطنهم الأصلي، وأمّا إن كان هناك مدينة قريبة أو تقع في الوسط من مناطق الريف فيتم استغلالها كنقطة مركز فقط، بحيث يكون لأهل الريف مواصلات خاصّة بهم تصلهم بالمدينة على الدوام فلا يضطرّون للاستقرار بشكل دائم في المدينة، في خطوة أخرى يمكن العمل على تشجيع الاستثمار في المجالات الزراعيّة والإنتاج الحيواني، سواء من أهل الأرياف نفسهم بتخصيص نسبة دعم خاصّة بالمزارعين ورعاة الماشية، أو من خلال توجيه الأموال إلى تلك المجالات من خلال وضع حوافز للاستثمار، وبذلك تنتفي بعض أسباب هجرة الريف للحصول على المال في المدن.