طريق الشعب - العدد (427) - الافتتاحية: الأزمة السورية إلى متى؟.. وإلى أين؟

2020-10-19

-1-
مع أي إعلان من قبل الإدارة الذاتية عن استعدادها للتحاور من أجل إيجاد حل للأزمة السورية يتفاجأ العالم بتصريحات متشنجة تصدر من أعلى المستويات في القيادة السورية ليس فقط بالرفض وإنما بالتهجم وإلصاق التهم الباطلة التي اعتاد النظام إلصاقها بالوطنيين والديمقراطيين السوريين، ولوليد المعلم وزير خارجية النظام قصب السبق في كل المواقف الرافضة والمتعنتة وأوصاف التخوين و... الخ، وفي كل مرة أتيحت فيها فرص اللقاء المباشر بين الإدارة الذاتية والنظام يظهر النظام مواقف متعنتة، بل ومتخشبة، وعدم قبول غير مواقفه، فهل هكذا تحل أزمات البلدان؟
الروس طالبوا مراراً بضرورة الحوار بين الإدارة الذاتية والنظام، ودائماً قبلت الإدارة الذاتية المطالبات الروسية بالحوار، ولكن النظام كان يتهرب باستمرار، والحق هنا لا يقع فقط على النظام وإنما يقع أيضاً على الجانب الروسي، الذي يبدو أنه إما ليس جدياً بالقدر الكافي ولا يمارس الضغوط الضرورية على النظام، أو أن إيران كانت تفشل المطالبات الروسية وجهودها، وروسيا نفسها كانت قد فتحت الضوء الأخضر لتركيا باحتلال عفرين وقبل ذلك جرابلس والباب في صفقات تفضح نواياها ومجمل سياساتها وتسيء إلى مصداقيتها مع الشعب الكردي، إضافة إلى أنها بموجب اتفاقيات أستانة التي فيها روسيا وتركيا وإيران تتفاهم مع تركيا على الكثير من الأمور ليس فقط بشأن إدلب وإنما بشأن العديد من المناطق الأخرى، كما تكرس كل سياساتها ومواقفها فقط بحماية النظام وهو ما يؤدي إلى انعزالها عن باقي الأطراف
اللجنة الدستورية تراوح في مكانها، وكانت جولتها الأخيرة في سويسرا دليلاً قاطعاً على أن طرفيها غير مستعدين للتوصل إلى أي حل، ومن جهة أخرى فإنه يتم دائماً وبعناء إبعاد الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية عن كافة الحوارات المتعلقة بحل الأزمة السورية في المحافل الدولية، سواء كانت اللجنة الدستورية أو اجتماعات جنيف الأمر الذي يجعل التوصل إلى أية حلول حقيقية غير ممكن، وتشير كل الدلائل والوقائع بوضوح إلى أنه لا يلوح في الأفق أية آمال بحل قريب للأزمة، وبهذا فإن معاناة السوريين ستطول.
-2-
تتعدد الجهات التي تضع العراقيل أمام أي حل حقيقي، وتعقدها أكثر فأكثر، فهناك الدول الخارجية المتدخلة عسكرياً وسياسياً في الأزمة السورية (تركيا وإيران) تدخلتا في الأزمة السورية منذ البداية في عام 2011م، وهما اللتان أوصلتا الأمور في سوريا إلى ما هو عليه من القتل والتدمير والتهجير، وبالتالي فإنهما تتحملان المسؤولية السياسية والأخلاقية عن معظم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي أصابت الشعب السوري، وكل الدلائل والوقائع تؤكد أن لكل منهما أهدافها الخاصة، تركيا تهدف إلى احتلال الشمال السوري بما في ذلك مدينة حلب والمدن الأخرى في جغرافية الشمال السوري، وتنصيب حكومة موالية لها في دمشق بقيادة جماعة الإخوان المسلمين وحلفائها وكل القوى الإرهابية التي خرجت من تحت عباءة أردوغان والإخوان المسلمين وفصائل المسلحين التابعة لها على شاكلة المرتزقة الذين ترسلهم تركيا إلى كل مكان (ليبيا – ناغورني قره باغ) نموذجاً، وإيران تهدف إلى السيطرة على كامل الجغرافيا السورية والإبقاء على النظام الموالي، وتركيا وإيران بموجب مشروعيهما الخاصين بهما تتصارعان في وعلى سوريا عبر وكلائهما في الوقت الذي تتبعان سياسة براغماتية في علاقاتهما كدولتين جارتين، إنهما تتصارعان على النفوذ في كافة المناطق العربية والإسلامية، ومن الممكن أن يأتي اليوم الذي قد تتم فيه المواجهة بينهما، خاصة وأنهما تاريخياً تحملان تاريخاً طويلاً من الحروب والمواجهات العسكرية بينهما وأحدهما تحمل راية الشيعة والأخرى تحمل راية السنة، وأما النظام السوري الذي لا يقبل سوى الحل العسكري والأمني والذي قام باستقدام القوات الإيرانية والقوات الروسية، والعديد من الميليشيات الطائفية العراقية والأفغانية وحزب الله وغيرها، هذا النظام لم يعد حراً في موقفه وإرادته، وربما تكون إيران جزءاً من القوة التي تقف وراء عدم قبول النظام بالحوار الإيجابي مع الإدارة الذاتية، وهناك التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة الذي ينتشر في روج آفا – شمال وشرق سوريا، ويعتبر شريكاً لقوات سوريا الديمقراطية في محاربة داعش، وأقام العديد من المواقع العسكرية في هذه المنطقة، وحاول في بداية دخوله إلى سوريا مساعدة ما يسمى بالجيش الحر، ولكنه – أي التحالف – لم يجد في الواقع سوى قوات سوريا الديمقراطية كشريك يمكن الاعتماد عليه في محاربة داعش وغيره من القوى الإرهابية، وهو لم يأت إلى سوريا أصلاً لمساندة الكرد كما يدعي البعض، وأما ما يسمى بالمعارضة السورية (الائتلاف السوري وعلى رأسه جماعة الإخوان المسلمين) فهي بضاعة تركية تحمل ماركة مسجلة، وتبقى الإدارة الذاتية الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية هي القوة الحرة الأساسية التي تحمل مشروعاً ديمقراطياً واضحاً، وهو ما يفسر هجوم تركيا وإيران والنظام السوري عليها.
وعلى هذا الأساس يمكن تثبيت قاعدة ذهنية تستند إليها حل الأزمة السورية، وهي إذا بقيت تركيا وإيران متدخلتين عسكرياً في سوريا فلن يكون هناك حل لأزمتها، ولهذا السبب فإن تركيا وإيران تمانعان بشدة مشاركة الإدارة الذاتية في الحوارات الجارية تحت رعاية دولية.
-3-
عند تقييم مواقف النظام ومواقف المعارضة يصعب جداً التمييز بينهما سوى بعض التعابير الخاصة، النظام يصر على مواقفه السابقة التي تميزت بها سوريا منذ عام 1970م، فهو الذي يجب أن يقود الدولة والمجتمع (ولو تخلى عنه نظرياً) والمعارضة أيضاً تصر على الحلول محل النظام، والتمييز الوحيد هو قيادتها الإخوانية، ولا تمتلك برنامجاً ديمقراطياً حقيقياً.
تعاملنا مع العديد من أطراف المعارضة ما عدا الإخوان المسلمين ومن لف لفهم، ولم نجد بينها الجهة صاحبة المشروع الديمقراطي الحقيقي، فالمعارضة داخل الائتلاف السوري، وما يسمى بالجيش الحر أو الجيش الوطني السوري، ومعظم أطرافها المسلحة هي صناعة تركية – قطرية بامتياز، وهناك أيضاً معارضة الداخل وهي غير فعالة وتحتاج لتصبح معارضة حقيقية أن تحمل برنامجها الخاص والمستقبل، ولا ننكر وجود معارضة مستقلة وديمقراطية ووطنية تحتاج إلى تطوير برامجها.
إن هذا التوسع للنظام والمعارضة (معارضة الخارج) بين تركيا وإيران هو الذي يصعب ويمنع التوصل إلى حل حقيقي للأزمة السورية، وأما بخصوص موقع الإدارة الذاتية الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية من كل ذلك فهو موقع كل الوطنيين والديمقراطيين وهو موقع المدافع عن وحدة سوريا والدفاع عن حدودها الدولية، وهي تطرح بوضوح شعار سوريا دولة ديمقراطية تعددية لا مركزية يتمتع فيها جميع السوريين بحقوقهم القومية والديمقراطية، يجب أن يتمتع الشعب الكردي في ظلها بكامل حقوقه القومية وكذلك كل المكونات الأخرى، واحترام خصوصيات السوريين كافة، وانسحاب جميع القوات الأجنبية من سوريا، والحفاظ على استقلالها وسيادتها، ولم تقف الإدارة الذاتية في يوم من الأيام ضد الحوار مع المعارضة أو النظام وفق برنامج وخارطة طريق واضحين، ونحن على يقين بأن الحل الحقيقي يأتي من خلال حوار السوريين بإرادتهم الحرة، وعلى هذا الأساس ومن خلال هذا الطرح ستصبح الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية والشعب الكردي في قادم الأيام بيضة القبان، وعامل إيجابي في تقريب وجهات النظر بين السوريين على اختلاف انتماءاتهم، وبناء على هذا الموقف الصريح والواضح فنحن لا نستغرب اعتداءات تركيا المتكررة مع مرتزقتها من الجيش الحر والائتلاف السوري الذي تقوده تركيا والإخوان المسلمون على الإدارة الذاتية بما في ذلك احتلال عفرين وسري كانيه وكَري سبي وغيرها، وكذلك عداء كل من إيران والنظام لها.
-4-
تدور نقاشات واسعة وكثيرة في الأوساط السورية والإقليمية والدولية عن مستقبل الشعب الكردي في سوريا ومصيرهم، وعن واقعهم وأثرهم في تشكيل سوريا الجديدة، وهي نقاشات مشروعة ويجب الوصول إلى أجوبة بشأنها.
لقد شارك الكرد في بناء سوريا، وقدموا في سبيل ذلك تضحيات كثيرة، غير أن الحكومات والأنظمة المتعاقبة قد أنكرت وجودهم، وطبقت بحقهم القوانين والتدابير الاستثنائية الهادفة إلى تذويبهم في بوتقة القومية العربية، وناضل الشعب الكردي طويلاً من أجل إزالة الاضطهاد القومي بحقه ومن أجل انتزاع حقوقه القومية والديمقراطية، وكان الجواب على مطاليبه هو المزيد من الإنكار والمزيد من الاضطهاد.
وفي إطار الحراك الثوري الذي بدأ في سوريا في عام 2011م شارك الكرد فيها باعتبارها ثورة شعبية ديمقراطية سلمية لسببين هما:
1- إحداث التغيير الديمقراطي في سوريا.
2- انتزاع الحقوق القومية والديمقراطية للشعب الكردي.
وهذا النضال مشروع يحميه القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان والأعراف والمواثيق الدولية، وفي الوضع المتشكل حالياً بعد أن قدم الكرد آلاف الشهداء وتضحيات جسيمة لم يعد بإمكان الطرفين (النظام والمعارضة) القفز فوق الحقيقة الكردية في سوريا في أية مفاوضات، ولا يمكن حل الأزمة السورية دون حل القضية الكردية في سوريا، ولهذا فإن الجهود الرامية من أجل إبعاد الإدارة الذاتية عن حوارات جنيف واللجنة الدستورية مضيعة للوقت، ولن يوصل إلى أي حل، سوى إطالة أمد الأزمة، وإطالة أمد معاناة الشعب السوري.