نصائح موسكو لدمشق ونصائح أمريكا للكرد - فتح الله حسيني

2020-09-20

لم يعد خافياً على مراكز القرار الدولي، أو الدول المهتمة بالشأن السوري، منذ أزمتها الخانقة والمميتة إلى يومنا هذا، أن هناك قوتين أكيدتين ضاربتين في سوريا، هما قوات النظام وقوات سوريا الديمقراطية، ولا بد من الوصول إلى حل تفاهم هاتين القوتين قبل كل شيء، لكي يتم الدخول الحقيقي إلى بوابة الحديث الجدي والجديد عن الحل السياسي المفضي إلى خارطة طريق مؤهلة لإخراج البلاد من "المقصلة" السورية، بحسب توصيفات المتابعين المنصفين للوضع السوري.
بعد التفاهم الذي وقعه مجلس سوريا الديمقراطية "مسد" وحزب الإرادة الشعبية، وصل وفد روسي رفيع إلى العاصمة السورية دمشق، بحضور رئيس الدبلوماسية الروسية سيرغي لافروف، والزيارة الروسية العاجلة أتت بحكم موقع موسكو في دمشق وتسلمها الملف السوري بقوة، ورعايتها لمنصة موسكو، ونصائحها لرئيس النظام السوري، وتركزت تلك النصائح بمجملها على ضرورة تفهم دمشق لمذكرة التفاهم تلك، والإقرار بها، والتقرب منها بمسؤولية وطنية ومتابعة بنودها وربما في الأخير المشاركة في تطبيق تلك البنود المتعلقة بمستقبل سوريا ومستقبل الحل السياسي المتأزم، لاسيما وأن تأسيس المنصات وتوزع أطراف المعارضة العربية وضعفها وعدم توضح برامجها الوطنية السورية، بل ودخولها في متاهات الأجندات الإقليمية المخلة بالوضع السوري، بات أيضاً واضحاً ولا بد من التوصل إلى صياغة توافقية حيال القرار الذي تبناه مجلس الأمن الدولي رقم 2254 بالإجماع وذلك بتاريخ 18 ديسمبر العام 2015 والمتعلق بوقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية للوضع في سوريا، حيث يحث القرار الدولي جميع الأطراف في العملية السياسية التي تتولى الأمم المتحدة تيسيرها على الالتزام بالمبادئ التي حددها الفريق الدولي، بما في ذلك الالتزام بوحدة سورية واستقلالها وسلامتها الإقليمية وطابعها غير الطائفي، وكفالة استمرارية المؤسسات الحكومية، وحماية حقوق جميع السوريين، بغض النظر عن العرق أو المذهب الديني، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى جميع أنحاء البلد، وهذا بحد ذاته يوضح خارطة الطريق التي لم تلتزم بها جميع الأطراف إلا الأطراف التي تم إقصاؤها من تلك المباحثات وأهمهم الكرد وشركائهم في جغرافيا روجآفا، وربما، وبحسب التقرير الدولي الأخير، فإن قوات سوريا الديمقراطية رغم أنها طرف أساس في سوريا ولكنها لم تكن طرفاً في أتون الصراع الداخلي بقدر ما كانت طرف مصارع للإرهاب وحماية أمن الشعوب والمكونات والوقوف ضد التغيير الديمغرافي المدروس، وكانت المناطق الخاضعة لنفوذها خيمة آمنة لكل النازحين والمهجرين القسريين من أتون الحرب الأهلية والطائفية السورية كما وكانت لتلك القوات مشروعاً سياسياً ربما تتوضح ملامحه ليس بعيداً على عموم الخارطة السورية لتكون هذه القوات جزءاً أساسياً من مشروع الحل السوري المأمول لا جزءاً من الصراع الدموي المخيف. وهذه أيضاً نقطة تسجل لصالح تضحيات قوات سوريا الديمقراطية ومجلسها السياسي.
الآن باتت تتوضح حيثيات القرار الدولي الذي يجب الاتفاق عليه، أي جميع الأطراف السياسية وفق حيثيات القرار، وأهمها مجلس سوريا الديمقراطية المظلة السياسية لقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، التي تمثل نسبة خمسة ملايين سوري بين الكرد والعرب والشعوب الأخرى، مما يفضي إلى البدء الجدي بمخرجات الحل السياسي إذا لم تخرج تركيا بحركة جديدة سياسية أو عسكرية من شأنها عرقلة اجتماع جميع الأطراف لاسيما وأن تركيا ما زالت راعية رئيسية لطرف معارض سوري معين، رغم ضعفه وهشاشته، إلا أنه طرف عربي له حضوره المتكرر في المحافل الدولية، وفق مصالح وأجندات أنقرة العدوانية.
بين نصائح موسكو لدمشق في ضرورة التوافق مع متطلبات منصة موسكو ومجلس سوريا الديمقراطية، وبين نصائح أمريكا للكرد سابقاً وراهناً في ضرورة الإسراع في ترتيب البيت الكردي أولاً، ومن ثم الخوض سياسياً في غمار المحافل الدولية، وأهمها مؤتمر "جنيف" بالتحالف مع منصة موسكو للحضور في اجتماعات الأمم المتحدة حول سوريا، وبين هذه النصائح من لدن القطبين الدوليين، روسيا وأمريكا، ثمة دول إقليمية وعلى رأسها تركيا لا تريد أبداً حضور الحل السياسي ولا تريد انتهاء الأزمة السورية، سواء بإقصاء الكرد أو بغياب الأسد أو بحضوره، ما يهم تركيا، أولاً وأخيراً، تأزيم الوضع السوري واستمرار المقصلة السورية وتعقيدها أكثر، وبين كل ذلك، ضروب مكتسبات الكرد بقوة، بقوة دولة عدوة لا دولة جارة.
سوريا الآن أمام مخرجات الحل السياسي لا أكثر، والأكثر ضرراً من ذلك تركيا والأكثر استفادة الشعوب السورية جميعها.