الانتخابات الأمريكية والوضع الدولي والمشاريع المؤجلة - محمد صالح عبدو (*)

2020-09-20

كان الرأي السائد هو أن الولايات المتحدة هي دولة المؤسسات التي تقوم برسم الخطط والسياسات الأمريكية، ويأتي كل رئيس أمريكي جديد لتنفيذ تلك السياسات مع حيز يتعلق بالمواصفات الشخصية لكل رئيس أمريكي، غير أن الرئيس دونالد ترامب قلب هذه القاعدة رأساً على عقب، ولم يول الكثير من الاهتمام بدور المؤسسات، إذ قام بشكل رئيس بتنفيذ رؤاه الخاصة، ولم يهتم حتى بالإعلام بل كان ينشر رؤيته وموقفه على التويتر ليفاجئ الكثيرين.
وكان من المعروف أيضاً أن السنة الأخيرة أو الستة أشهر الأخيرة التي تسبق الانتخابات كانت تتميز بعدم قيام الولايات المتحدة بأعمال جديدة كبيرة أو ذات طابع استراتيجي، وكانت تركز على الأعمال الروتينية وتسيير الأعمال الضرورية مما كان يجعل الكثير من دول العالم تراقب نتائج الانتخابات، وتتوقف هي الأخرى من القيام بأعمال حاسمة.
والآن فإن العديد من دول العالم تنتظر نتائج الانتخابات الأمريكية بفارغ الصبر، وفي مقدمة هذه الدول إيران التي صبرت على تحمل العقوبات الأمريكية القاسية والبالغة التأثير على اقتصادها وقوتها العسكرية واضطراب أوضاعها الداخلية، بل وعلى مستقبلها على أمل أن تأتي إدارة أمريكية جديدة إلى البيت الأبيض، وتستطيع بالتالي متابعة مشاريعها وسياساتها، ومثلها فعلت الكثير من الدول، وتركيا تنتظر هي الأخرى، إذ لها العديد من المشاريع في كل شرق المتوسط وليبيا وسوريا وإقليم كردستان العراق، وهي تحتاج إلى معرفة السيد الجديد للبيت الأبيض لكي تتمكن من تحديد أولوياتها.
مرشحا الرئاسة الأمريكية معروفان جيداً، فترامب يحكم منذ أربع سنوات، ومواقفه أصبحت معروفة للجميع بما في ذلك سلوكه الشخصي، وكذلك جو بايدن كان نائباً للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لمدة ثمان سنوات إضافة إلى أن الجميع يعرف سياسات الحزب الديمقراطي، ولهذا فإن جميع الدول تقوم بإعادة ترتيب سياساتها.
وفي كل الأحوال وسواء فاز ترامب أو بايدن فإن الوضع الدولي بعد الانتخابات الأمريكية لن تكون كالوضع الدولي قبل الانتخابات، فمن جهة فإن الصين سوف تفصح عن سياساتها الحقيقية، وستتعامل مع الولايات المتحدة معاملة الند للند، وستستقطب العديد من دول العالم ولاسيّما الدول المتضررة من سياسات الولايات المتحدة، كما أنه من المتوقع أن تقوم دول عربية أخرى بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، ولهذا فإن الصراع العربي الإسرائيلي سيدخل مرحلة جديدة، وأما الاتحاد الأوروبي وبعد أن اكتشف أن دوره في تراجع مستمر فإن أمامه طريقان فإما أن يستمر على الوضع الحالي ويتحول إلى قوة هامشية على صعيد السياسة الدولية وهو أمر لا يليق به، وإما أن يعود إلى الساحة الدولية بقوة أكبر كما تفعل فرنسا ماكرون الآن، ومن المعتقد أن أوروبا ستختار هذا الموقف ولن تبقى قوة ملحقة بالسياسة الأمريكية وستهاجر لقب القارة العجوز، ولا حاجة للحديث عن الاتحاد الروسي الذي تشير كل سياساته إلى أنه يسعى في طريق أن يكون قطباً عالمياً.
كل المؤشرات في السياسة الدولية تؤكد بأن عالماً متعدد الأقطاب قد تشكل ولم تبق الولايات المتحدة القطب الأوحد، وعلى كل دول العالم منذ الآن أن تتصرف على هذا الأساس، ومنذ الآن فإن الشرق الأوسط على الرغم من أهميته الكبرى لن يبقى مركز الصراع العالمي، بل أن الصراع سيقوى أكثر في بحر الصين الجنوبي وفي أفريقيا وربما في أمريكا اللاتينية، كما سيتحدد موقع تركيا على خارطة الصراعات الدولية مع احتمال انكماش أذرع إيران وعودة إيران إلى حجمها الطبيعي، ومع هذا التطور فإن القضية الكردية في جميع أجزاء كردستان ستعود إلى واجهة الأحداث، وستبدأ مرحلة جديدة في نضال الشعب الكردي وحصوله على مكاسب كبيرة، وانطلاقاً من ذلك فإن على كافة أطراف الحركة الكردية أن تتهيأ جيداً لهذه المرحلة، وأن تحل خلافاتها بالطرق السلمية والديمقراطية وتسير نحو المؤتمر القومي الكردي المنشود لبناء الاستراتيجية الموحدة.
صحيح أن كل هذه التطورات في الساحة الدولية لا ترتبط بالانتخابات الأمريكية، وإنما هي نتاج التطورات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية، ولكن هذه الانتخابات ستكون بداية ظهور عالم جديد.
(*): عضو المكتب السياسي للحزب اليساري الكردي في سوريا.