اصطفافات اللجنة الدستورية في جنيف مرة أخرى - فتح الله حسيني

2020-08-26

بعد تفاقم الأزمة وتعقيدها أكثر فأكثر في سوريا، بفضل التدخلات التركية والروسية السافرة، كراعيين للنظام والمعارضة العربية، دعا غير بيدرسون المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، مرة أخرى، دون جدول أعمال متكامل، إلى لقاء جديد في "جنيف" السويسرية لبحث مسألة مسودة الدستور السوري، ومناقشة سبل اتفاق بعض الأطراف فقط، بعض الأطراف، للوصول إلى اتفاق مبدئي حول مشروع دستور لسوريا في ظل فوضى الحرب وجغرافيا ممزقة، وتفاقم خلافات الأطراف سواء المعارضة الإسلامية أو الموالية لنظام الأسد، وسط سياط الجوع والفقر والحرمان المسلطة على سماء وأرض وشعوب سوريا ككل.
الرهان الدولي المفترض على جولة جديدة من اللقاءات الوهمية في جنيف، في نسختها الجديدة دون أية نتائج سابقاتها، وهذا رهان مني، والتفاؤل، من لدن "أبطال" المتجمع الدولي، بالخروج بمخرجات جديدة من شأنها تخفيف الأزمة السورية وسبل حلها، رهان خاسر حالياً، وبكل تأكيد، هذه الجولة، أيضاً، لن تفضي إلى أية نتيجة مثمرة وإيجابية، لاسيما وأن اللجنة الموكلة إليها مناقشة بنود الدستور "المفترض" منقوصة، وأن سلسلة مؤتمرات "جنيف" وأيضاً سلسلة مؤتمرات "آستانة" وأيضاً "سوتشي" كلها أدت إلى الفشل الذريع ولم تجد مخرجاً واحداً للخروج من الأزمة المتفاقمة في الخارطة السورية ككل، خاصة وأن الدول الضامنة لكل المسألة السورية "تركيا، إيران، روسيا"، ما زالت دول مصَرة على مواقفها السلبية في التركيز على ضرورة إقصاء الكرد من تلك المحادثات والاتفاقيات، وأيضاً لعدم وجود قرار دولي وإرادة دولية لحل الأزمة السورية، وسط الفوضى التي تعم المنطقة كلها، وربما، المجتمع الدولي بانتظار رسم خرائط جديدة واصطفافات جديدة في عموم منطقة الشرق الأوسط.
تكتب الدساتير، عادة، في حالات السلم ووجود الشرعية الكاملة في البلاد، ووجود قرارات تفضي إلى سير المعيشة دون اضطراب الأمن الاستقرار، ووجود برلمان منتخب يمثل الجميع، وتعايش شعوب غير مهجرة ونازحة قسراً وطوعاً، وسط أصوات عالية تختار نوعاً من الحرية، كبديل عن الحرية الموجودة، وكل هذه الشروط لا تتوفر في سوريا ولا في مجريات اللجنة الدستورية التي تعول عليها ما تسمى "الشرعية الدولية" التي أصلاً فقدت شرعيتها في ظل عدم مسؤوليتها عن تحمل تبعات الفقر والجوع والتهجير والتغيير الديمغرافي القائم على قدم وساق في عموم سوريا من أطراف دمشق إلى أطراف عفرين وجرابلس وصولاً إلى "إدلب" التي ما زالت على فوهة بركان ويسيطر عليها فصيل إرهابي وهو جبهة النصرة، التي تعد الآن أعتى معارضة سورية غير مرتهنة لتركيا أيضاً فباتت ترسم لنفسها خرائط جديدة وسط الإرهاب الموزع على نقاط علام كبيرة في سوريا.
في الواقع، فقد تم تصميم هذه الآلية الضيقة، دون قانون، فقط لفتح نقاشٍ سياسي مبهم، بين "بعض" السوريين، لا أكثر، على الرغم من قيود اللجنة الكثيرة، لذا يتوجب على الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بذل المزيد من الجهود الجدية والجديدة في هذا المضمار، لجمع جميع أطراف النزاع حول طاولة واحدة، لكي لا تسرح وتمرح روسيا في الساحة مستغلة العملية الدستورية كوسيلة لتطبيع نظام الأسد دون معالجة أي من الأسباب الجذرية للحرب الطاحنة، لأن اللجنة الدستورية، بالأساس كانت قائمة على تفاهم ضمني بأن تعمل على تنشيط العملية السياسية السورية المنصوص عليها في القرار 2254، إلا أن الأسد وإيران وروسيا وتركيا ماطلوا ثمانية عشر شهراً حتى الموافقة على تشكيلتها ليتم بعدها التوصل إلى حل مبهم آخر بشأن ثلاث فئات من الممثلين هي: خمسون ممثلاً من النظام، وخمسون من المعارضة، وخمسون من المجتمع المدني السوري، وهؤلاء أغلبيتهم مفروضون من قبل موسكو وأنقرة، مع إقصاء متعمد للكرد، ليتم التوافق بين النظام والمعارضة على استبعاد ممثلي شمال وشرق سوريا، وبالأخص "روجآفا" وقوات سوريا الديمقراطية التي تسيطر على ثلث الجغرافيا السورية وتمثل نسبة خمسة ملايين سوري من مختلف المكونات.
إذاً يوم الاثنين، 24/8/2020 بدأت جولة جديدة في جنيف، ومع انطلاق الجولة بدأت ظهور ملامح فشل جديد، من قبل المجتمع الدولي حول كارثية الأزمة السورية، فهكذا لقاءات تعمق الأزمة السورية أكثر فأكثر ولا تسهل الخروج من نتائجها الكارثية، وكل ذلك وفق علم مسبق من قبل النظام البعثي والمعارضة الإخوانية وأطياف المجتمع الدولي الراكضين وراء خيوط الأزمة كسراب لا كأحقية وكاستحقاق سوري – سوري، يتطلب الوقوف عند ملامحه بجدية تامة وفقاً لمعطيات واضحة على الأرض لا حلول مفروضة من السماء.