طريق الشعب - العدد (425) - الافتتاحية: أزمات الشرق الأوسط تستفحل

2020-08-26

-1-
أعين العالم أجمع تتجه الآن نحو الشرق الأوسط باعتبارها أكثر المناطق سخونة وخطورة، بعض الدول تراقب الوضع وتخطط لأهداف حالية ومستقبلية، وبعضها الآخر تتدخل بأشكال مختلفة، وواسطة العقد في هذه الأزمات هما المشروعان الإيراني والتركي، المشروع الإيراني يهدف إلى التوسع غرباً، وفي الواقع فقد استطاع السيطرة عللا أربع عواصم عربية، ويحاصر أخرى، وبنى أخطبوطاً من الأذرع ليس فقط في الشرق الأوسط، وإنما في جميع أنحاء العالم، أذرع عسكرية وسياسية ومالية واستخباراتية وعصابات مافياوية، وهو يهدد بالسيطرة على المنطقة بكل السبل، ويستخدم المذهب الشيعي كهدف وكوسيلة.
وفي مقابل هذا المشروع هناك المشروع التركي، لا بل المشروع العثماني والعثمانية الجديدة، وهو يستخدم المذهب السني كهدف وكوسيلة معتمداً بالدرجة الرئيسية على جماعة الإخوان المسلمين العالمية، وهذه الجماعة أيضاً واسعة الانتشار والقوة وإن كانت قد تلقت ضربات قوية وبخاصة في مصر والسودان، وهدف هذا المشروع هو نفس هدف المشروع الإيراني وقد مد أذرعه إلى ليبيا والسودان وتونس، بل إلى كل الشمال الأفريقي وأواسط أفريقيا والقرن الأفريقي، وإلى جميع دول الخليج والدول الإسلامية في الاتحاد السوفيتي السابق بالتحالف مع قطر التي تمول معظم مشاريع تركيا العدوانية والاستخباراتية.
إضافة إلى النتائج الخطيرة لهذين المشروعين العدوانيين فإن منطقة الشرق الأوسط تعج في الأساس بقضايا وأوضاع هامة وخطيرة من أهمها القضية القومية للشعب الكردي المقسم بين تركيا وإيران والعراق وسوريا والقضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي، ومنابع النفط التي تتصارع عليها الدول الكبرى، هذه القضايا التي إذا لم تجد الحلول الحقيقية والواقعية والديمقراطية فإن الشرق الأوسط بل والعالم لن يتمتع أبداً بالأمن والاستقرار.
العديد من دول العالم، وفي مقدمتها الدول الكبرى لا يمكنها أن تقف مكتوفة الأيدي تجاه هذه الوقائع الهامة والخطيرة التي تؤثر على الأمن والسلم الدوليين وتمس مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية، وبكلمة أدق تهدد مشاريعها القديمة والجديدة في المنطقة والهادفة إلى السيطرة على الشرق الأوسط اقتصادياً وسياسياً، وبهذا المعنى فإن المنطقة هي ملتقى الصراعات الدولية.
تجري هذه الأحداث والصراعات في ظل أنظمة حكم توتاليتارية كل همها الحفاظ على كراسي الحكم وتستقوي من أجل ذلك بالأجنبي، وتخاف التغيير وتعاني شعوبها من شتى أنواع الاضطهاد والحرمان من الحرية.
-2-
في ظل هذه الأوضاع تنشأ تحالفات جديدة في المنطقة، وتجري صدامات عسكرية وتدخلات عديدة، ففي سوريا هناك ما يشبه حرباً عالمية ثالثة سواء من حيث عدد الدول المتدخلة في الحرب الجارية فيها أو من حيث حجم ونوع الأسلحة المستخدمة في هذه الحرب، الولايات المتحدة والاتحاد الروسي هما أكبر قوتين عسكريتين في العالم متدخلتان في هذه الحرب إضافة إلى عدد من الدول الأوروبية والعربية، وتركيا وإيران متدخلتان فيها بشكل واسع، والحال في ليبيا ليس بأحسن من الحالة السورية وهكذا الأمر بالنسبة للبنان واليمن والعراق، والوضع في منطقة الخليج خطير أيضاً، وحتى الدول التي لا تعاني من حروب أو من أزمات ملتهبة وتعيش حالة اللا أمن واللا استقرار.
ليس هناك في الأفق ما يشير إلى التوصل إلى حلول سياسية وسلمية لهذه الأزمات الملتهبة، ففي سوريا وبالرغم من قرار مجلس الأمن الدولي رقم /2254/ واللجنة الدستورية التي عقدت أكثر من اجتماع، فإن الأوضاع كما هي، ولم تحدث أية اختراقات إيجابية للدخول في العملية السياسية بشكل جدي، وفي ليبيا وبالرغم من التدخلات الدولية التي أوصلت الحال فيها إلى ما يشبه هدنة، فإن كل المؤشرات تدل على وقوع مواجهات كبيرة ستشترك فيها مصر والعديد من الدول العربية وتركيا والعديد من دول البحر الأبيض المتوسط، وهكذا الأمر بالنسبة لليمن والعراق ولبنان وخاصة بعد الانفجار الأخير في مرفأ بيروت.
إن القاسم المشترك وراء كل الأزمات المتفجرة في المنطقة هو السياسة التوسعية لكل من إيران وتركيا في المنطقة لأن كلتاهما تريدان السيطرة على المنطقة والاستئثار بثرواتها، وإذا كانت كل واحدة منهما تستغل المذهب الديني فالقضية أوسع، هناك تزاوج ما بين القومية والمذهب الديني، وكلاهما تريدان التوسع والسيطرة على المنطقة، تركيا تريد بعث السلطنة العثمانية والعثمانية الجديدة، وإيران تسعى لبعث الإمبراطورية الفارسية (الصفوية)، ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف فإن كلتا الدولتين تستعملان الأدوات المساعدة. إذن الهدف هو توسع استعماري جديد.
هناك بلا شك تناقض بين إيران وتركيا فيما يتعلق بالجانب المذهبي (السني – الشيعي) ولكنهما وإلى الآن تمارسان نهجاً براغماتياً وتتفاهمان على العديد من المسائل، وتوسعان علاقاتهما التجارية، والسبب الرئيسي في ذلك هو مصلحتهما المشتركة في الوقوف ضد الشعب الكردي وحركته الوطنية التحررية، إضافة إلى أن كلاً منهما تخشى مواجهة الأخرى لأن إيران قوة كبيرة وكذلك تركيا التي هي في الوقت نفسه دولة عضو في الحلف الأطلسي، وهذا ما يجعل المواجهة بينهما مؤجلة في ظل الظروف الدولية الحالية.
-3-
الموقف الأمريكي وعقوباتها الاقتصادية على إيران ووقوفها مع دول الخليج ضد أي سلوك عدواني لها، أضعف إيران إلى حد كبير خاصة في المجال الاقتصادي ما جعلها تعتمد الآن على أذرعها في المنطقة، ولذلك فإن إيران تنتظر بفارغ الصبر الانتخابات الأمريكية القادمة في نهاية هذا العام على أمل أن ينجح فيها ممثل الحزب الديمقراطي جو بايدن وإمكانية رفع العقوبات عنها، وتعديل الموقف الأمريكي من برنامجها النووي والصاروخي، وفي نفس الوقت فإن هذه الانتخابات مهمة أيضاً بالنسبة لتركيا، فإذا فاز المرشح الديمقراطي قد يتغير الموقف الأمريكي سلباً من تركيا (أردوغان) ومعروف أن الولايات المتحدة لن تتخلى عن تركيا لروسيا ولكنها قد تعارض سياسات أردوغان.
صحيح أن تركيا وإيران دولتان كبيرتان في المنطقة، ولكنهما ليستا كلية القدرة، ومن الممكن إفشال سياساتهما العدوانية بوحدة نضال شعوب المنطقة ضد نهجيهما العدواني وإرغامهما على المشاركة الإيجابية في حل مشاكل المنطقة بدون مشاريع توسعية لأن النضال ليس موجهاً ضد شعوب إيران وشعوب تركيا، وإنما موجه إلى سياسات النظامين القائمين فيهما.
شعوب تركيا تناضل ضد سياسات أردوغان، والشارع التركي يغلي، ويتلقى حزبه ضربات موجعة وتتراجع شعبيته، والاقتصاد في تركيا يتراجع بقوة وتتدنى قيمة الليرة التركية باستمرار، وفي أية انتخابات قادمة سيخسر حزبه وتنتصر شعوب تركيا، لقد أصبح الشارع التركي يعي بأن مصلحته تكمن في حل مشاكل تركيا الداخلية، وفي مقدمتها إيجاد حل سلمي وديمقراطي للقضية الكردية واتباع نظام ديمقراطي، ونفس الكلام يمكن أن يقال أيضاً عن إيران، فالشعوب الإيرانية قد ملت من سياسات الملالي، وتريد أن تبني اقتصادها وبلادها، وتحقق حريتها وحل مشاكلها الداخلية بما في ذلك المسألة القومية للشعوب الإيرانية.
وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن مشروعي إيران وتركيا الخطيرين على كل شعوب المنطقة قد بلغا الذروة، وقد يبدءان في التراجع ومن ثم الفشل.
-4-
إذا كانت جميع شعوب المنطقة متضررة من المشروعين الإيراني والتركي، فإن الشعب الكردي أكثرها تضرراً، فتركيا تشن حرباً عدوانية غاشمة حالياً على الشعب الكردي في شمال كردستان وغربها وجنوبها، وهي تصرح علانية على أنها ضد أي كيان كردي وضد اللغة الكردية حتى لو كان في المريخ وفي اليابان والولايات المتحدة وأدغال أفريقيا، وإيران ليست أقل عدوانية ضد الشعب الكردي، فهي تحارب القضية الكردية بكل الوسائل وتنسق من أجل ذلك مع جميع غاصبي كردستان وتعلق على أعواد المشانق مئات المناضلين والنشطاء الكرد سنوياً.
وانطلاقاً من كل ذلك، ومن أجل التصدي للمشاريع التي تحاك ضد الشعب الكردي من قبل كل من إيران وتركيا ومن قبل كل الدول الغاصبة لكردستان فإن هناك مهاماً رئيسية تنتصب أمام الشعب الكردي وحركته الوطنية التحررية، ومن أهمها:
1- وحدة نضال الشعب الكردي في كل جزء وفي كل الساحات الكردستانية وتعبئة طاقاته البشرية والمادية والاجتماعية في وجه الأنظمة الغاصبة لكردستان، وإفشال محاولات تمزيق صفوفه، تلك المؤامرات التي حاكها الأعداء دائماً لإضعاف الكرد.
2- لا يمكن فصل الصراع في الشرق الأوسط عن الصراعات الدولية والإقليمية، ولا يمكن فصل نضال الشعب الكردي عن ما يجري في الساحات المحلية والإقليمية والدولية، ويكتسب نضال الشعب الكردي بعداً دولياً لم يعد بمقدور غاصبي كردستان تجاهله، وعليه فإن على الشعب الكردي أن يخوض النضال على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، ونؤكد بأنه لا بد للكرد أن يعملوا جيداً على المستوى الدولي، وكسب أصدقاء جدد، بل والإقدام على تحالفات دولية تعزز نضاله.
3- النضال مع الشعوب العربية والتركية والإيرانية لإنهاء أنظمة القمع والاستبداد، وبناء أنظمة ديمقراطية تحل في إطارها القضية الكردية وقضايا كافة الشعوب.