طريق الشعب - العدد (422) - الافتتاحية: تداعيات ما بعد معارك إدلب

2020-03-17

تداعيات ما بعد معارك إدلب
-1-
الاتفاق الذي جرى في سوتشي بين بوتين وأردوغان كان واضحاً بكل خطوطه، وقد جرى الاتفاق أصلاً ليتم تنفيذه، وكان من بين بنود الاتفاق فتح طريقي M4 و M5 أي طريق حلب ودمشق وطريق حلب – اللاذقية، ويفترض أن تكون المعارضة المسلحة على علم بجميع بنود الاتفاق، ولكن أردوغان تهرب من تنفيذه ظناً منه أنه يستطيع التخلص ويخدع المعارضة المسلحة، وباقي أطراف الاتفاقية، ولهذا السبب بدأت المعركة التي سماها النظام بمعركة تحرير إدلب بمساعدة مباشرة من روسيا، ومشاركة القوات الإيرانية وحزب الله اللبناني وغيرها، واستطاعت استعادة العديد من المناطق من سيطرة المعارضة، وأصبحت العديد من النقاط العسكرية التركية محاصرة، وتوسعت نطاق المعارك وتطورت إلى اشتباكات مباشرة بين القوات السورية والقوات التركية، وتم الاقتراب من خطورة أن تصبح معارك شاملة، غير أن كون روسيا الاتحادية كانت طرفاً في الصراع أدى إلى التراجع والتوجه نحو المفاوضات، فكانت مفاوضات بوتين وأردوغان الأخيرة في موسكو التي توجت باتفاق تم تسجيله باللغات الروسية والإنكليزية والتركية.
كل التقارير أشارت إلى أن بوتين قد نجح في فرض مواقفه، وأن أردوغان الذي بدا ضعيفاً ومرتبكاً ومهزوماً كان في وضع لا يحسد عليه، وقدم الكثير من التنازلات، أي أنه خسر هذه الجولة من المعارك على الأرض، وخسر في المفاوضات السياسية.
السؤال المطروح هنا هو هل من الممكن أن يصمد هذا الاتفاق وأن يقف الصراع في إدلب بين تركيا ومرتزقتها من جهة وبين النظام السوري وروسيا وإيران من جهة أخرى؟
إن طبيعة الصراع من جهة ونوايا أطراف الصراع من جهة أخرى تؤكد بأن هذا الاتفاق مؤقت، وأن لكل طرف أجنداته وأهدافه الخاصة به، وهي أهداف مرحلية، وأن المستقبل يحمل في طياته إمكانية بدء معارك أوسع وأكبر، وأردوغان الآن يفتش عن مساندين له في تلك المعارك القادمة ويستجدي حلف الناتو بالوقوف إلى جانبه، ويطلب ذلك صراحة وعلانية.
لا يمكن للوضع في إدلب أن يبقى كما هو لأسباب عديدة منها أن أهداف روسيا تتجاوز إدلب وكل سوريا إلى تثبيت مواقعها في كامل الشرق الأوسط كقوة عظمى في مواجهة الولايات المتحدة والغرب عموماً وأن النظام يريد السيطرة على كامل إدلب، بل كامل الأراضي السورية لأنه إذا استمر الوضع بهذا الشكل فإن ذلك يشكل خطورة على وجوده وإمكانية أن تعود المجموعات المسلحة إلى مناطقها التي انسحبت منها، كما هو الحال في درعا والجانب التركي أيضاً تتجاوز أهدافه إدلب إلى السيطرة على سوريا عبر أذرعها من جماعة الإخوان المسلمين وأطراف المعارضة الأخرى المرتبطة بها، يضاف إلى كل ذلك المشروع الإيراني ومواقف الأطراف الدولية الأخرى التي تتصارع على سوريا، والتي لم تصل إلى الآن إلى تفاهمات بشأن سوريا المستقبل، وتحديد حصصها من كعكتها.
-2-
بعد معركة إدلب بدأت عزلة أردوغان الدولية تتعمق، فقد تجذرت المواقف الأوروبية ضده بشكل أوضح، خاصة بعد تهديداته لها بمسألة المهاجرين، وهي لا تخفي انزعاجها من سياساته على جميع الأصعدة، ومثل هذا الكلام ينطبق على الموقف الأمريكي وحلف الناتو عموماً، ففي هذه الأيام تزداد التصريحات الأمريكية ضد نظام أردوغان، سواء في ما يتعلق بسياساته الداخلية أو الخارجية، وكذلك الحال بالنسبة لحلف الناتو، وبالنسبة لروسيا فإن شهر العسل بين بوتين وأردوغان في نهاياته، وبدأت مواقف العالم العربي تتجذر ضد أردوغان، وبالرغم من أن إيران تمارس سياسة براغماتية تجاه سياسات أردوغان إلا أن قواتهما كانتا تشتبكان في إدلب.
وعلى الصعيد الداخلي تتراجع شعبية أردوغان وحزب العدالة والتنمية بشكل مستمر، وتتعزز قوة المعارضة، ويزداد الوضع الاقتصادي سوءاً في تركيا وتتراجع القيمة الشرائية لليرة التركية إلى أدنى مستوياتها، وتتعزز القبضة الأمنية على حساب حرية التعبير عن الرأي والحريات الديمقراطية، وكان إعلان كل من علي باباجان وأحمد داوود أوغلو المنشقان من حزب العدالة والتنمية عن حزبيهما، حزب الديمقراطية والتقدم وحزب المستقبل تعبيراً عن أزمة نظام حكم أردوغان وحزب العدالة والتنمية.
لكل هذه الأسباب ولغيرها يبدو أن العديد من الجهات قد بدأت بحساب العد التنازلي لحكم أردوغان، ومع نهاية هذا الحكم ستتراجع قوة جماعة الإخوان المسلمين في عموم الشرق الأوسط، بل وفي العالم باعتبار أن أردوغان هو أحد أكبر أعمدتها.
-3-
من تابع سياسات أرودغان ومواقفه تجاه مجمل القضايا والمشاكل التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وبخاصة في سوريا والعراق يدرك بوضوح أن محور اهتماماته وحروبه التي أشعلها كانت تتركز حول محاربة الشعب الكردي وحركته الوطنية، وفي عام 2012م بدأ أردوغان هجومه المباشر على الكرد عبر إدخال مجموعات جبهة النصرة وأحرار الشام وغيرها من الفصائل المرتبطة بها وبدعم مباشر منها إلى مدينة سري كانيه كبداية لضرب الكرد ومشروعهم القومي، وقد تم تحريرها فيما بعد بتضحيات كبيرة، وتم دحر جبهة النصرة إلى خارج روج آفا، واستمرت محاولات أردوغان في هذا المجال بعد ذلك بإسناد داعش وجبهة النصرة وغيرها في هجومها على كوباني وباقي مناطق إقليم الجزيرة قامت وحدات حماية الشعب والمرأة بتحريرها أيضاً، فما كان منها إلا أن تقدم هي بنفسها باحتلال جرابلس وفيما بعد الباب وإعزاز، وإسكان مرتزقتها فيها، وفيما بعد احتلال عفرين وسري كانيه وكَري سبي من خلال صفقات لا أخلاقية مع الدول الكبرى، ولا زالت تركيا تهدد مناطق الإدارة الذاتية شمال وشرق سوريا، وفي الجانب السياسي عملت تركيا أردوغان على منع الكرد وممثلي روج آفا – شمال وشرق سوريا بالمشاركة في الاجتماعات التي رعتها الأمم المتحدة وبخاصة في اجتماعات جنيف واللجنة الدستورية.
-4-
والآن أيضاً يدور نقاش واسع في العديد من الأوساط، وبين الجماهير حول انعكاس نتائج معركة إدلب على مناطق روج آفاي كردستان – شمال وشرق سوريا، فمن جهة يهدد النظام بالسيطرة على كامل الجغرافيا السورية، وكانت تصريحات بشار الأسد الأخيرة ذات مغزى واضح، والروس أيضاً يهدفون إلى إعادة كافة المناطق إلى سيطرة النظام، وتركيا أردوغان لا زالت تهدد هذه المنطقة، والتحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة موجود في بعض المناطق بحجة حماية آبار البترول والتنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية في محاربة داعش بينما الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية تعزز قواتها وتجربتها الديمقراطية.
هل ستستمر سياسة الصفقات والمبادلات؟ في العصر الحالي عصر العولمة والنظام الدولي الجديد، العصر المبني على المصالح وتراجع أهمية المبادئ كل شيء ممكن، وهو يثير القلق في أوساط الشعب، غير أن الكثير من العوامل التي تشجع سياسة الصفقات قد تغيرت، إذ ليس من المعقول أن يقوم الروس بالمبادلة وهم الأقوياء على الساحة السورية، ثم صحيح أن الولايات المتحدة قد انسحبت، ولكنها ندمت وعادت بحجة حماية آبار النفط، وأعلنت تعاونها مع قوات سوريا الديمقراطية في محاربة داعش، ولم يعد أردوغان قوياً سواء بعلاقاتها الخارجية أو وضعه الداخلي الصعب، خاصة أن أردوغان متورط الآن في ليبيا، ويضيع منه نفط وغاز شرق المتوسط، وأن مصر ودول عربية أخرى له بالمرصاد في ليبيا.
روسيا الآن لها مشروعها الأكثر واقعية في سوريا، وهو الدفع باتجاه إجراء حوار بين النظام وبين الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، وإذا كانت الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية قد قبلت بالحوار وفق أسس واضحة تم الإعلان عنها، فإنه يبقى على الروس أن يضغطوا على النظام للقبول جدياً بالحوار، وإذا نجح هذا الحوار وهو أمر مشكوك فيه كون النظام لا يملك قراره المستقل عن إيران تكون الأزمة السورية قد اقتربت من الحل، وإلا فإن الأزمة ستطول أكثر.