معارك الدم.. معارك الورق - فتح الله حسيني

2020-02-18

سياقات جديدة وصيغ مفصلية تفرض بقوة على سوريا، دولياً وإقليمياً، رغم معارك الدم، وفوضى الحروب المتفرقة في مدن وقصبات وأحياء كثيرة من خارطة سوريا، بفضل التدخلات الإقليمية السافرة وغير المسؤولة في الشؤون السورية منذ أزمة العام 2011 وإلى الآن.
رغم تلك السياقات وما ينتج عنها من نتائج خاسرة بشكل أكيد، للحل السلمي الذي ينشده كل ذي مسؤولية في عموم سوريا، إلا أنه إلى الآن، جميعنا، كواقع، لم نستطع الوصول إلى صيغة توافقية تنقذ خارطتنا وأرضنا وسمائنا من الفوضى السلبية جداً المتربصة بها وبأمننا واستقرارنا، وكل ذلك، رغم أن المعارضة العربية الإسلامية تتحمل نتائجها الكارثية، بفضل سيادة تركيا على عسكرتها وإرادتها السياسية والطائفية، إلا أن النظام السوري، أيضاً، يتحمل الجزء الأساس من إطالة عمر الأزمة وديمومة أركان الفوضى وربما، لاحقاً، خراب ما تم تشييده أيضاً. لم يك النظام السوري، رغم أنه متمسك بقوة مفرطة، بكرسي السلطة وبقرارات وفرمانات السلطة وأروقة السياسية والعسكرة المتواجدة، إلا أنه لم يك يمتلك زمام المبادرة الحقيقية، الجدية، المسؤولة، في نفس الوقت، حيال ما يجري من هدر للدم والتهجيرات القسرية التي يتعرض لها أبناء وبنات شعوبنا في بلادنا سوريا. عدم تقديم المبادرة من قبل النظام والذي من شأنه تحويل البلاد إلى مستنقع غير قابل للعيش، يؤدي بالنتيجة، حتماً، إلى الالتفات إلى مبادرة مجلس سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية التي تقدم الحلول وتقدم المشاريع السياسية كبديل عن معارك الدم إلى معارك من ورق للابتعاد عن أشباح الحرب المخيمة على سماء وأرض البلاد، والالتزام بالمرونة اللائقة وتفضيل الحلول السياسية على رزمة الاستعصاءات المزمنة، والعودة إلى رشد المنطق وخطط السلام بدلاً عن منطق العنجهية والقوة المزيفة التي لم يعد النظام السوري يمتلكه أساساَ، وهذه حقيقة وواقع وليس افتراضاً. مئات المخيمات المترامية في أوساط البلاد من جنوبه إلى شماله وشرقه وغربه، ولم يقدم النظام السوري أية مبادرة لتقديم المساعدات الإنسانية إلى النازحين السوريين في أطراف البلاد، وكأن ما يحصل ليس بشأن سوري وأن النظام بات حاكماً لجغرافيا غريبة. حركات نزوح مستمرة، تهجير قسري وطوعي ولم يمتلك النظام السوري زمام أية مبادرة سورية صرفة لإيقاف النزيف البشري ذاك منذ بدء الأزمة وإلى وقتنا الحالي، بالإضافة إلى غض النظر عن المأساة الإنسانية المتفاقمة التي يعيشها المواطن السوري الذي بات غريباً في جغرافيته وموطنه والنظام يعيش في واد آخر وينشد في عرش آخر بعقليته المشبعة بروح الغرور الفظ، دون أية مراجعة خلاقة، رغم المعارك الطاحنة التي تشهدها المدن والقرى والشوارع والأحياء وحتى الأزقة. عكس كل ذلك تماماً، وجدت الإدارة الذاتية الديمقراطية، بحكم المسؤولية الأخلاقية والإنسانية والسياسية والجغرافية، والتي تشكل نسبة أكثر من الثلث السوري، باتت معنية، بمسؤولية تامة، بتقديم كل صنوف الدعم اللوجستي لقاطني المخيمات والمواطن والمعسكرات الجديدة للنازح السوري رغم الإمكانيات المحدودة، بل وقدمت مبادرة إخراج النازحين والهاربين من أفخاخ النيران إلى عراء السلم، كمسؤولية تاريخية وراهنة وكواجب وطني كموقف مسؤول سيسجل للإدارة الذاتية بأنها تجد نفسها مسؤولة بحق عن حياة وأمن النازحين لأنهم سوريون والإدارة الذاتية بهيكليتها ومؤسساتها مشروع سوري صرف، قبل كل شيء، رغم صبغته الكردية، وهذا ظفر كردي، بفضل التضحيات الكردية، ثم التضحيات المشتركة. بين نظام قائم يجد نفسه غريباً عن شؤون وشجون مواطنيه وبين إدارة ذاتية تجد نفسها بمؤسساتها المدنية والعسكرية مسؤولة عن حياة وأمن واستقرار مواطنيها، مسافة شاسعة من الدم والأخلاق والمسؤولية حيال ما يجري من مآسي ومجازر وردهات معتمة ومصائر مجهولة.
ما يتطلب من نظام الأسد الخروج من زيفه ووهمه والتقرب من الحلول السياسية والمفاوضات الجدية مع الإدارة الذاتية كمشروع قائم، على الجانب الآخر، يتطلب من الإدارة الذاتية أن تستمر في كونها مظلة جامعة ونظام قائم رديف كونها أثبتت جدارتها ونجاحها التام في تحمل كل مسؤوليتها الكبرى المناطة بها، مدنياً وعسكرياً وخدمياً. لننتهي، كلنا، معاً، من التخطيط المفعم بمعارك الدم، والبدء بترتيب معارك جديدة، ولكن معارك من ورق ومن ثم التفاوض المسؤول دون وهن ووهم.