طريق الشعب - العدد (420) - الافتتاحية: الإدارة الذاتية الديمقراطية في عامها السابع

2020-01-27

-1-
في 21/1/2020م طوت الإدارة الذاتية الديمقراطية /6/ أعوام من عمرها، ودخلت عامها السابع بقوة وعزيمة كبيرة، لم تكن ولادة الإدارة الذاتية تعبيراً عن رغبة عابرة، أو تمثيلاً لرأي شخصي، وإنما نبعت من واقع سياسي واجتماعي في مرحلة تاريخية مشخصة لنضال الشعب السوري لعب فيه الشعب الكردي دور الطليعة من أجل إجراء التحول والتغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي في سوريا عامة، وفي روج آفا – شمال وشرق سوريا خاصة بعد اختطاف الثورة السورية من قبل تركيا وجماعة الإخوان المسلمين والمجاميع الإرهابية المختلفة.
ستة أعوام مليئة بالكفاح الثوري تخللتها انتصارات باهرة على جميع الأصعدة، كما صادفتها بعض الثغرات، كان أكبر الانتصارات تحرير أكثر من 30% من الأرض السورية، وتطهير منطقة شمال وشرق الفرات ومنبج وقسماً هاماً من منطقة الشهباء من داعش وغيرها من القوى الإرهابية بما فيها جبهة النصرة والقضاء على ما يسمى دولة الخلافة الإسلامية في معقلها الأخير الباغوز بعد تحرير الرقة والطبقة ودير الزور.
ويعرف الجميع أيضاً بأنه قد ترافق مع القضاء على داعش ودولة الخلافة الإسلامية إنجازات كبيرة في مجالات التعليم والصحة والاقتصاد وتأمين الأمن والاستقرار في مناطق الإدارة الذاتية وبناء الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا التي تضم مناطق منبج والطبقة والرقة وإقليم عفرين الذي يضم مقاطعتي عفرين والشهباء وإقليم الفرات الذي يضم مقاطعتي كوباني وكَري سبي وإقليم الجزيرة الذي يضم مقاطعتي قامشلو والحسكة، كما بنت كل مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية والاجتماعية لفئات الشعب المختلفة، إضافة إلى المؤسسات السياسية.
بطبيعة الحال فإن تلك الانتصارات الكبيرة والمكاسب التي حققها شعبنا بدماء الآلاف من الشهداء لم تكن لتريح القوى المعادية بمختلف أطرافها التي تتربص بهذه التجربة الديمقراطية، فكان العدوان التركي ومرتزقته على عفرين وإعزاز والباب وجرابلس وفي مرحلة لاحقة على سري كانيه وكَري سبي واحتلالها.
لا شك أن مسيرة الإدارة الذاتية في روج آفاي كردستان وشمال وشرق سوريا لا يمكن اختصارها بهذه العجالة، بل أن أمامها مراحل هامة قادمة وأهدافاً كبيرة تصر الإدارة على تحقيقها بتصميم عال سواء من حيث تعميق تجربتها الديمقراطية وتطوير برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية بحيث تتحول إلى واحة للديمقراطية وموطناً للثورة من أجل سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية تحتذي بها جميع المناطق السورية الأخرى، بل وحتى في منطقة الشرق الأوسط في مجال بناء الإنسان والمجتمعات الحرة، وتجذب الإدارة الذاتية في روج آفاي كردستان وشمال وشرق سوريا اهتمام قسم كبير من المجتمع الدولي، ويظهر ذلك من زيارات الوفود من جميع أنحاء العالم والتي تريد الاطلاع على هذه التجربة، بل أن العديد من دول العالم أصبحت تعبر عن قناعاتها بضرورة الاعتراف بها ومساندتها.
-2-
إن غاية تركيا ومرتزقتها في عدوانها على مناطق الإدارة الذاتية تكمن في مجموعة من الأهداف، ومن أهمها:
1- تدمير الإدارة الذاتية بكونها تجربة ديمقراطية ستؤثر على الداخل التركي لإجراء تحولات ديمقراطية فيها.
2- إجراء تغيير ديمغرافي وتطهير عرقي بإبعاد الكرد عن مناطقهم، وإسكان سكان من مناطق أخرى فيها بدلاً من الكرد والسيطرة من خلالهم على مقدرات كل سوريا.
3- توجيه ضربة كبيرة إلى القضية الكردية، ومنع الكرد من خوض كفاحهم التحرري.
فهل حققت تركيا أهدافها؟
إننا نعتقد أن الشعب الكردي خلال تاريخه الطويل كان عرضة لمثل هذه المخططات العنصرية، مخططات تهجير الكرد من موطنهم كردستان، وترحيلهم إلى العديد من مناطق العالم، وإذا كانت تلك المخططات قد نجحت في تحقيق بعض غاياتها وأجلت حصول الكرد على حقوقهم القومية وعلى حريتهم وحرية بلادهم، إلا أنها لم تستطع تحقيق غاياتها في القضاء على الشعب الكردي، وعلى قضيته القومية العادلة، والآن صحيح أن هذا الاحتلال التركي قد حقق بعض أهدافه في احتلال بعض المناطق الكردية، إلا أنه لم ينجح في تحقيق أهدافه التي يصبو إليها، ففي كل المناطق المحتلة هناك مقاومة ضد الاحتلال، فلا يكاد يمر يوم إلا ونسمع فيه عن عمليات ضد احتلال تركيا ومرتزقتها، ولا تزال كل الجهود تركز على تحرير تلك المناطق، ويتم الإعداد لذلك إلى أن يتم توفير الظرف المناسب سياسياً وعسكرياً، ونحن على قناعة كاملة بأن إرادة شعبنا أكبر من جميع مخططات القوى المعادية، وأن الحرب هي كر وفر، وطالما أن الحرب قائمة فقد تخسر اليوم بقعة أرض، وتكسب غداً بقاعاً أخرى، لاسيّما أن هدف العدو في تدمير الإدارة الذاتية لم يتحقق، وأن الإدارة تعزز مواقعها وأدوارها يوماً بعد آخر.
-3-
الآن وبعد احتلال تركيا ومرتزقتها لسري كانيه وكَري سبي، وتهديداتها المستمرة بالعدوان، تتواجد في مناطق الإدارة الذاتية قوات التحالف الدولي، وبخاصة الأمريكية، وقوات روسية، وقوات النظام وحلفائه الإيرانيين، ويومياً تتلاقى في الطرق العامة دوريات أمريكية ودوريات روسية، وهي تحاول منع بعضها من المسير لأن كلاً منهما تريد القول أنها صاحبة المنطقة، وإلى جانب ذلك هناك العديد من التوجهات السياسية، هناك محاولات روسية بإجراء حوارات بين الإدارة الذاتية وبين النظام، ولكنها لا تقوم بالضغط اللازم على النظام، النظام متعنت وهو لا يقدم ما يلزم من المرونة ومن التنازلات من أجل حل سياسي للأزمة السورية عامة وللإدارة الذاتية بشكل خاص، إنه أي النظام يظن أنه لا يزال يعيش وضع ما قبل 2011م، ويريد فرض الاستسلام على الإدارة الذاتية، وهذا ليس فقط بعيد المنال، وإنما أضغاث أحلام، بل أن مصيره لا يزال تحت المخاطر.
إننا معتقد أن الإدارة الذاتية قد حددت خياراتها بشكل دقيق ومقبول من أوسع قطاعات شعبنا في روج آفاي كردستان – شمال وشرق سوريا والتي تكمن في شعار سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية وفق:
1- تحول قوات سوريا الديمقراطية وكافة القوى الأمنية إلى قوة شرعية والحفاظ على خصوصيتها في أي تشكيل جديد لهيكلة الجيش السوري.
2- الاعتراف بالإدارة الذاتية وكافة مؤسساتها.
3- حل القضية الكردية في إطار وحدة سوريا.
وفي كل ذلك تدرك الإدارة الذاتية جيداً سمة الوضع الدولي الجديد، وتفهم مسألة الصفقات، لأن الأتراك احتلوا عفرين بصفقة لا أخلاقية مع الروس، واحتلوا سري كانيه وكَري سبي في صفقة بين أردوغان وترامب، كما تم احتلال جرابلس والباب وإعزاز في صفقة بين الأتراك والروس مقابل إعادة حلب للنظام.
-4-
وحول وحدة الصف الكردي أو وحدة الموقف الكردي، نعتقد أنه ومهما كان حجم الخلافات الكردية – الكردية فإنه يمكن حلها عن طريق الحوار الجدي والمسؤول، لأن تناقضات كل الأطراف الكردية هي تناقضات ثانوية، وليست تناقضات رئيسية، وفي هذا المجال فقد قدم السيد مظلوم عبدي مبادرة لا تعوض في مجال تحقيق وحدة الموقف الكردي، وقد قوبلت هذه المبادرة بترحيب بالغ من قبل أوسع قطاعات الشعب الكردي، هذه المبادرة التي تم تفصيلها في بيان أصدرته الإدارة الذاتية الديمقراطية والتي جاءت كتأكيد وتوضيح توجهات الإدارة الذاتية للالتزام بتنفيذ مبادرة السيد عبدي، كما أنها تشكل جزءاً لا يتجزأ من المبادرة.
لقد عبر حزبنا في أدبياته عن ترحيبه الواسع بهذه المبادرة، ودعا كافة أطراف الحركة الوطنية الكردية بالانفتاح عليها، والانخراط في حوارات جدية ومسؤولة لتحقيق الأهداف المتوخاة منها، ونرى أن مبادرة الجنرال مظلوم عبدي لا تزال تعتبر أرضية صالحة لحوار جاد من أجل حل كافة الخلافات، كما نرى بأن مبدأ القبول بعقد اجتماع لمناقشة الخلافات يشكل المدخل إلى تحقيق وحدة الموقف.
وبجانب ضرورة وحدة الموقف الكردي هناك ضرورة أخرى لوحدة صف وموقف كافة المكونات من الكرد والعرب والسريان وغيرهم، وهو مبدأ رئيسي من مبادئ الإدارة الذاتية الديمقراطية خاصة وأن كافة المحاولات التركية ومحاولات النظام لتفريق الصفوف، وبقيت الإدارة الذاتية موحدة وقوية.