التقارب الكردي ومبادرة الجنرال مظلوم عبدي - فتح الله حسيني

2019-12-15

مبادرات سياسية شتى، أطلقها قادة وزعماء أحزاب سياسية لتوحيد الخطاب والصف الكرديين، ورغم أنه مطلب جماهيري ونخبوي وسياسي ملح، منذ بدء التصدع في صفوف الحركة السياسية الكردية، إلا أنه ظل حبراً على ورق، وظلت في إطار مبادرات هزيلة وهشة لم تفض إلى أية نتائج مثمرة من شأنها توحيد الصف، وكخطاب سياسي نصبو إليه جميعاً.
في هذه المرحلة التي يمر بها شعبنا أو شعوبنا في روج آفا وشمال وشرق سوريا، وبعد التمدد التركي اللامحدود والتهديدات اليومية، الاحتلالات المتكررة، دون رادع دولي، باتت أي مبادرة جادة مطلب عام ويصب في مصلحة الجميع لأن الجميع، في العموم، أما خطر محدق، دون خيارات أخرى، إذا ظل الوضع الكردي متشرذماً وغير فعال على الصعيد الدبلوماسي، وعلى الصعيد الداخلي أيضاً في أفضل حالاته.
مبادرة الجنرال مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية، هي مبادرة مهمة من شخصية مهمة وكبيرة، ومبادرة تستحق الوقوف عندها، بمسؤولية، دون عناد ودون أنانية، ودون تصفيات حزبوية، خاصة أن قوات سوريا الديمقراطية كانت القوة الضامنة لضمان حقوق شعوب روجآفا وشمال وشرقي سوريا، دون انحياز، والالتفات حول روح المبادرة ودعمها ومساندتها والولوج إلى تفاصيلها من شأنها انجاح ما كنا نطمح إليه منذ تشظي أو حراك كردي سوري في أواسط ستينيات القرن المنصرم.
التوقيع في هذا الظرف، على أي اتفاق أو توافق كردي - كردي من شأنه، الأكيد، أن يجلب الوفاق الضمني والعلني، كردياً، وسورياً، وجغرافياً، في إنهاء المزاودات والمزايدات السياسية التي يختبئ خلفها البعض ويكون هاجسه الضامن كلما أراد الاشهار، وفي الوصول إلى صيغة تضمن الحق الكردي أولاً، وحقوق المكونات الأخرى ثانياً في اغناء ملف شعب تواق للحرية والديمقراطية، في حال بدء أي حوار جاد وحقيقي مفضي إلى مخرجات تهم الجميع طالما أن الجميع يهمه الاستقرار والحل السياسي، ولكن بدون نوايا من شأنها إثارة لغة الحرب بدلاً من إثارة لغة السلام.
السمعة العسكرية، التي يتمتع بها الجنرال مظلوم عبدي، والسمة السياسية التي يظهر بها بين الفينة والأخرى، كقائد للمرحلة عسكرياً وسياسياً، وككاريزما طالما حلم بها الكردي السوري، يستوجب على الجميع الوقوف بقوة حول المبادرة، ولغتها، وأهميتها القصوى في ظل معارك تشنها دولة الاحتلال التركي مع الفصائل المرتزقة التابعة لها والتابعة لجماعات الإخوان المسلمين، كل ذلك يشير ببوصلة الكردي إلى اليقظة التامة، فلم نعد في معركة سياسية، ودبلوماسية بل نحن في أتون معركة مدمرة عسكرية، تشنها دولة كبرى على الكردي ومشاريعه وتضاريسه ونقاط علامه وقراه ومدنه وطرقه وغاباته وحدائقه وشوارعه، والجميع مطالب بتحمل مسؤولياته دون الالتجاء إلى المصالح والأجندات الحزبية التي لن تفيد أبداً كما كان مضيعة للوقت سابقاً.
جلسات متتالية بين القوى الكردي، والفعاليات المجتمعية في روج آفا وشمال وشرق سوريا، بمسؤولية قومية ووطنية، كفيلة بإظهار مشروع سياسي ناجع، لجغرافيا تحملت الكثير من وطأة السياسات المدمرة إقليمياً وأجندات داخلية من نظام الأسد الذي ما زال في عقليته وغفوته العتيقة، ونحن لا نريد أن نكرر هذه التجربة في العناد والتنصل من الاستحقاقات.
تحت هذه الظروف المفروضة علينا، ككرد وكشركاء في الجغرافيا علينا صهر مصالحنا الحزبية في بوتقة المصلحة العليا لشعبنا ومكونات خارطتنا، للوقوف بحزم وقوة أكثر وبخطاب غير متشرذم حيال ما يفرضه علينا العدو التركي خارجياً، وما يريد أن يفرضه، رغم ضعفه وضعف إرادته، نظام دمشق.
والأكيد أن الكثير منبهر لتلك المبادرة الجادة من الجنرال عبدي، ولكن إلى الآن لم تفصح الجهات التي تشوش على سمات تلك المبادرة عن صدق تقربها من تفاصيل المبادرة ذاتها، وضرورات إنجاحها لا وضع العراقيل أمامها، والمبادرة كتوصيف من الجنرال تأتي من موقف القوة لا من موقف ضعف، وربما كل الدلائل تشير إلى أحقيتها في هذه المرحلة، والدلائل في الوقت ذاته تشير إلى أن التخلف عن التقرب من المبادرة في هذا الوقت بالذات ربما لن يكون لها بديل، في الوقت اللاحق.
الجنرال مظلوم عبدي يحظى بشعبية سياسية وعسكرية واسعة بين السوريين، بمختلف انتمائاتهم وجغرافياتهم، وفي نفس الوقت يحظى باحترام دولي وخاصة روسي وأمريكي، والالتفات حول مبادرته إنجاح للمشروع الكردي أولاً، والمشروع الذي أطلقه الكرد في بداية الأزمة السورية، للوصول إلى الاستقرار المأمول، والمشروع الذي طالما حلم به الكردي على أرضه أو على أراضي الشتات.