طريق الشعب - العدد (419) - الافتتاحية: الدولي والإقليمي والمحلي

2019-12-15

-1-
في وقتنا الحالي لا يمكن الفصل بين ما هو دولي وإقليمي ومحلي ببساطة، فكل الأبعاد أصبحت مترابطة، يؤثر كل بعد على الأبعاد الأخرى، وأحياناً يكون هذا التأثير حاسماً، ولهذا فإن على كل سياسي، وكل صاحب قرار أن يأخذ هذه الأبعاد بالجدية اللازمة، وبما يكفي من الأهمية، وإلا فإنه سيجانب الصواب وتتعرض قراراته إلى الفشل، ولهذا فإن على السياسي أن يستوعب السياسات الدولية والإقليمية والمحلية.
صحيح أن سياسة المساومات، والصفقات اللا أخلاقية قد تصدرت المشهد السياسي في المنطقة، وصحيح أيضاً أن سياسة المصالح قد قفزت إلى الواجهة، وأن مصالح الشعوب والمبادئ والحرية وحقوق الإنسان...الخ قد تراجعت، وقد ظهر كل ذلك بجلاء في الأزمة السورية، فمثلاً باعت تركيا حلب بمن فيها من المعارضة إلى روسيا والنظام مقابل السماح لها باحتلال جرابلس والباب وإعزاز، وأعطت روسيا والنظام عفرين إلى تركيا مقابل خروج المعارضة المسلحة من غوطة دمشق والمناطق المحيطة بدمشق وفقاً لاتفاقات أستانا التي نجحت في سحب المعارضة المسلحة من العديد من المناطق السورية وتجميعها في إدلب، وأعطيت سري كانيه وكَري سبي إلى تركيا مقابل رشى لترامب. إن كل ما سبق وغيره الكثير سواء في سوريا أو دول ومناطق أخرى في العالم هو من سمات ما يعرف بالنظام العالمي الجديد حيث تكون المصالح فيه هي الأساس.
إلا أن كل ذلك يجب أن لا يحجب عنا الحقائق الأساسية في السياسة، وبخاصة في سياسات الدول الكبرى، إذ ليست الصفقات فيها هي الأساس، وإنما الخطط والاستراتيجيات طويلة المدى تحتل المرتبة الأولى لديها، وعلى أساسها ترسم التكتيكات الظرفية والقصيرة الأمد.
في الدول الكبرى هناك مراكز أبحاث متخصصة ومؤسسات ضخمة، تعمل فيها أكبر العقول والمتخصصون في كافة المجالات، وتصرف عليها أموال ضخمة مهمتها وضع الخطط والبرامج على مستوى كل منطقة والعالم كله في المديات الطويلة والمتوسطة والقصيرة، ومهمات الحكومات العمل على تنفيذ تلك الخطط والبرامج ووضع السياسات المناسبة لتنفيذها.
صحيح هناك دور للفرد، ولكن الأفراد لا يعملون لوحدهم، هم ملزمون بتلك الخطط، ويكيفون سياسات بلدانهم وفقها (ببساطة المؤسسات هي التي تحكم).
-2-
إن خير مثال على العلاقة بين الدولي والإقليمي والمحلي هو ما يجري الآن على الأرض السورية، فقد تدولت الأزمة السورية منذ بدايات الحراك الثوري في عام 2011م، حيث تدخلت عشرات الدول والقوى الإرهابية في الأزمة السورية، وعلى الأرض الآن هناك قوات إيرانية وقوات تركية وأمريكية وروسية وعشرات التنظيمات الإرهابية من مختلف دول العالم، إضافة إلى العديد من القوى العسكرية السورية، ببساطة إن حل الأزمة السورية لم تعد بيد السوريين، ويمكن القول إن حرباً عالمية ثالثة مصغرة تجري على الأرض السورية، وغاياتها النهائية لا تنتهي فقط في سوريا، وإنما تمتد إلى جميع دول المنطقة، ولن تكون بمنأى عنها حتى تركيا وإيران الدولتان المتدخلتان عسكرياً، فكل التقييمات السياسية تشير إلى أن الأزمة ستمتد إليهما في وقت قد لا يطول، وجميع الحيثيات تتوافر باستمرار، وحتى دول الخليج مهددة هي الأخرى خاصة أن الأرضية مهيأة لذلك في مسائل الحريات الديمقراطية والأنظمة السياسية العميقة وغيرها من العوامل.
لا يوجد هناك أفق زمني واضح لحل الأزمة السورية وكيفية حلها، وحتى ما يسمى بالدستور السوري الذي يجري العمل على وضعه لا يمكن إنجازه في هذه الظروف وبالطريقة التي يجري بها العمل خاصة في ظل إبعاد قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية الديمقراطية عن المشاركة فيها بناءً على فيتويات تركيا والنظام السوري وغيرهما، ولا يمكن النظر ببساطة إلى أن هذه الدول تعمل من أجل عيون السوريين، كل منها طامعة بجزء من الكعكة السورية، قد يكون كبيراً أو صغيراً، ويعرف السوريون تلك الأطماع بدقة.
إذا كان حل الأزمة لم يعد بيد السوريين فإن ذلك لا يعني أن لا دور لهم، بل أن دورهم أساسي إذا وضعت جهودهم على السكة الصحيحة، ولكن لا أفق واضح لذلك خاصة أن قرار النظام - الذي هو أساس المشكلة – مسلوب، وقوى المعارضة وما يسمى بالجيش الوطني السوري والائتلاف السوري المعارض ارتهنت لتركيا، وأصبحت رأس رمح لها في احتلال عفرين ومناطق في الشهباء وسري كانيه وكَري سبي، وأن الإدارة الذاتية الديمقراطية لروج آفا – شمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية التي تعمل جاهدة لتوحيد صفوف السوريين من الكرد والعرب والسريان والتركمان والأرمن بكل أديانهم ومذاهبهم تتعرض إلى عدوان تركيا ومرتزقتها المذكورين.
إن الحل الحقيقي للأزمة السورية يجب أن يكون بالأساس سورياً قبل كل شيء مع الأخذ بعين الاعتبار كل الصراعات الإقليمية والدولية ومصالحها على أن تكون مصلحة سوريا والسوريين هي العليا، فهل يستطيع السوريون الاجتماع حول هذه الحقيقة السورية، أن تكون سوريا لجميع السوريين، وأن يتمتعوا جميعاً بحقوقهم القومية والاجتماعية والسياسية والثقافية المشروعة؟
-3-
بعد الغزو التركي مع مرتزقته، واحتلاله سري كانيه وكَري سبي، تتجول في المنطقة بشكل مستمر المدرعات التركية بمرافقة المدرعات الروسية، وتتجول أيضاً المدرعات الأمريكية، وقوات النظام السوري التي تنحصر مهمتها في حماية الحدود، ويقابل المواطنون الكرد هذه المدرعات في كل المناطق التي تمر بها بالحجارة كتعبير منهم عن رفضهم لوجود تلك القوات في المنطقة.
إن انتشار هذه القوات تسبب الكثير من الغموض والضبابية لدى معظم المواطنين، ويجعل مستقبلهم غير معروف، ومعرض لكثير من الأخطار.
الروس يدعون بأنهم جاؤوا لحماية الكرد من الغزو التركي وفق اتفاقية سوتشي بين بوتين وأردوغان، وجاء النظام بطلب من قوات سوريا الديمقراطية وبضمانة وموافقة روسية لحماية الحدود.
والواقع أن قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية الديمقراطية لا تمانع حواراً مع النظام يتم الحصول بموجبه على اتفاق واضح المعالم، وقد أعلنت مراراً شروطها لمثل هذه الاتفاقية والتي تتركز على أن تصبح قوات سوريا الديمقراطية قوات شرعية في إطار هيكلية واضحة للجيش، وتكون مهمتها حماية روج آفاي كردستان وشمال وشرق سوريا، وتحتفظ بخصوصيتها، وأن يعترف النظام السوري بالإدارة الذاتية الديمقراطية بعد تنظيم العلاقة بينها وبين المركز دمشق، وأن تقوم الإدارة الذاتية بإدارة شؤون مناطقها بما في ذلك الشؤون الأمنية من قبل قوات الأسايش، وأن يعترف النظام بالنظام التربوي والتعليم السائد في الإدارة الذاتية، وحل القضية الكردية وتثبيتها في الدستور السوري وفق العهود والمواثيق الدولية، وإلى ما هنالك من الأمور التي تحول سوريا إلى دولة ديمقراطية تعددية لا مركزية.
في المقابل يواصل النظام تعنته ويرفض مطالب الإدارة الذاتية الديمقراطية، وتصر على العودة إلى الوضع الذي كان سائداً قبل عام 2011م وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً من قبل الإدارة الذاتية.
-4-
في الأيام القليلة الماضية كانت هناك رسالتان من دمشق للإدارة الذاتية، الرسالة الأولى تمثلت بزيارة علي مملوك إلى قامشلو، واجتماعه بعدد من وجهاء العشائر العربية، وقد طالبهم صراحة أن يقوموا بسحب أبنائهم من صفوف قوات سوريا الديمقراطية، وأن يتحدوا ويستعدوا لقادم الأيام، وهذا معناه تعبئة العشائر العربية لمواجهة الإدارة الذاتية، وهو تهديد مباشر للإدارة الذاتية، وقد فهمت الإدارة الذاتية مغزى هذه الرسالة تماماً.
وأما الرسالة الثانية فقد تمثلت في وصول مجموعة من ممثلي أحزاب الداخل الذين جاؤوا وهم محملون بمطالب النظام. وبعد مناقشات مطولة قدم ممثلو تلك الأحزاب نظام الإدارة المحلية الصادر بالقانون /107/ والمعمول به منذ عام 1972م كإطار اتفاق.
في المقابل قدم ممثلو الإدارة الذاتية الديمقراطية العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية للوفد الزائر مع رؤية واضحة لأي حل أو اتفاق بين الطرفين وكان ذلك بمثابة رسالة واضحة على رسائل النظام، وأعلن ممثلو الإدارة الذاتية أيضاً رفضهم التام لقانون الإدارة المحلية.
إن كل التصريحات التي تصدر عن النظام بشكل رسمي وغير من الوقائع التي تظهر على الأرض تثبت بشكل كامل تعنت النظام وسلبيته مستغلاً خطر الغزو التركي، وفي المقابل فإن الإدارة الذاتية واضحة في توجهاتها ومواقفها في الدفاع عن انتصاراتها ومكاسبها، وفي المقدمة منها الحقوق القومية والديمقراطية للشعب الكردي.