طريق الشعب - العدد (418) - الافتتاحية: العدوان التركي على روج آفا – شمال وشرق سوريا احتلال وتطهير عرقي موصوفان

2019-11-27

-1-
منذ بداية الحراك الثوري في عام 2011م كان أمام الدولة التركية بزعامة أردوغان وحزب العدالة والتنمية هدف رئيسي لم تحد عنه خلال كل التطورات والتدخلات الدولية والإقليمية التي جرت على خط هذه الأزمة، وهذا الهدف هو ضرب الحراك الكردي الثوري ومنعه من تحقيق أية مكاسب تؤدي إلى تحقيق تمتعه بحقوقه القومية والديمقراطية، وقد أقدمت على كل الموبقات والجرائم بما في ذلك العدوان العسكري، ومساندات القوى الإرهابية من جبهة النصرة وداعش وباقي المجموعات الإرهابية، ففي عام 2012م أدخلت تركيا جبهة النصرة والعديد من الفصائل المسلحة إلى سري كانيه، وكان الهدف من ذلك البدء بالاستيلاء على كامل الشريط الحدودي الشمالي من نهر الفرات إلى نهر دجلة، وقبل ذلك دعمتهم لإجراء تطهير عرقي في تل عران وتل حاصل.
ومع تأسيس الإدارة الذاتية الديمقراطية في كل من الجزيرة وكوباني وعفرين دخلت تركيا واقعياً في مواجهة مباشرة ضدها فساندت الهجوم الواسع لداعش على كوباني، ثم احتلت عفرين في صفقة لا أخلاقية مع روسيا وإيران والنظام السوري.
استقدمت تركيا العناصر الإرهابية إلى روج آفا – شمال وشرق سوريا من كل دول العالم عبر مطاراتها وموانئها وحدودها البرية وأدخلتهم إلى هذه المنطقة تحت أعين العالم بأجمعه، وقدمت لها الدعم بكل أشكاله من المال والسلاح والمساعدات اللوجستية، كما هددت تركيا بإفشال كل الحوارات التي جرت سواء في جنيف أو أستانا أو لجنة وضع الدستور السوري إذا تم تمثيل الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية أو تمثيل الكرد بشكل منفصل، ومع تردد المجتمع الدولي وحرص الدول الكبرى على مصالحها، فقد تم إفشال هذه المشاركة، والكرد الذين حضروها إنما حضروا تحت عباءة الائتلاف المعادي وبرضى تركي، لأنهم بوجودهم في تلك المحافل كانوا يمثلون الائتلاف وليس الشعب الكردي، كما لجأت تركيا إلى أسلوب الصفقات والمساومات عبر القوى الدولية المتدخلة في الأزمة السورية فجرابلس والباب وإعزاز تم احتلالها من قبل تركيا مقابل إعطاء حلب للروس والنظام، واحتلت تركيا عفرين مقابل تخليها عن المعارضة المسلحة في غوطة دمشق والمناطق المحيطة بها، ومع الأسف فإن الفصائل المسلحة في تلك المنطقة كانت تدرك هذه الحقيقة وتعلم بأن الدعم التركي لها ليس لعيون الثورة السورية، غير أنها كانت قد أصبحت تحت السيطرة التركية والإخوان المسلمين وتتحرك وفق إرادتها.
-2-
ليس الكرد، وليست الإدارة الذاتية ووحدات حماية الشعب والمرأة هم الذين استقدموا القوات الأجنبية إلى سوريا، بل أن النظام السوري هو الذي استقدم القوات الإيرانية والميليشيات الطائفية، واستقدم الروس في عام 2015م، والمجموعات الإرهابية لم تستأذن أحداً، وكانت تتلقى الدعم بكل أشكاله من تركيا، القوى الإرهابية دخلت وفقاً للمشروعين التركي والإيراني، إيران التي تعمل منذ زمن طويل من أجل التمدد غرباً أي في البلدان العربية والإسلامية وتفتخر بأنها الآن تسيطر على أربعة عواصم عربية وتغطي ذلك تحت راية التمدد الشيعي، وتركيا التي تعمل من أجل العثمانية الجديدة وإعادة أمجاد السلطنة العثمانية وإعادة سيطرتها على المناطق التي فقدتها تحت راية التمدد السني.
وأما الإدارة الذاتية ووحدات حماية الشعب والمرأة، وتالياً قوات سوريا الديمقراطية فلم تستقدم أية قوة أجنبية، وتشكلت العلاقة بينها وبين التحالف الدولي في نهايات معركة كوباني، جاء التحالف بالأساس لأغراض أخرى، ودعم في البداية ما يسمى بالجيش الحر، ولكن بفشل علاقاتهما تحول التحالف إلى مساعدة وحدات حماية الشعب والمرأة لأنه لم يجد غيرها على الأرض، والعلاقات بينهما كانت عسكرية، لم تكن هناك أية علاقات سياسية.
أعلن ترامب منذ أكثر من سنة عن سحب قواته من سوريا، ولكن التناقضات الداخلية في الإدارة الأمريكية هي التي جعلت ترامب يتراجع عن قراره، ومنذ ذلك التاريخ بل قبله أيضاً فقد انتصبت أمام الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية مهمة الاعتماد على الذات، بل أن الاعتماد على الذات كان مطروحاً على الدوام لدى الإدارة الذاتية ووحدات حماية الشعب والمرأة كخيار مبدأي، ولهذا عملت جاهدة لإيجاد أفضل الحلول لتحقيق أهدافها، وكان من الحلول المهمة هو التوصل إلى اتفاق مع النظام السوري، وكان هذا الخيار يحظى برضى روسيا، وفي الواقع فقد جرت حوارات بين الإدارة الذاتية والنظام حتى قبل أن يعلن ترامب عن سحب قواته، ولكن تلك الحوارات قد فشلت بسبب تعنت النظام، ومع ذلك فقد ظل هذا الخيار قائماً حتى اليوم، وللإدارة الذاتية في هذا الشأن خارطة طريق واضحة.
-3-
مع النجاحات الكبيرة التي حققتها الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، وتحولها إلى قوة كبيرة وأساسية في الساحة السورية فإن السياسات التركية كانت تسير من فشل إلى فشل، وتأكدت بأن جميع مشاريعها تتهاوى ليس فقط في سوريا، وإنما في المنطقة عموماً، كما تأكدت بأنه لا بد من الخيار العسكري خاصة أن أهدافها لم تتحقق عبر احتلال عفرين فقط، ولذلك بالتهديد بالهجوم على شرق نهر الفرات بحجة حماية أمنها القومي، علماً أن رصاصة واحدة لم تطلق على الأراضي التركية من روج آفا – شمال وشرق سوريا، لقد كانت تعادي التجربة الديمقراطية في شمال وشرق سوريا وإدارتها الذاتية التي كانت تجدها خطراً عليها، وأعلنت تركيا بأنها ستشرك في هجومها ما تسمى بقوات المعارضة السورية المسلحة، أي تلك القوى الموجودة في إدلب بمختلف مسمياتها بدءاً من جبهة النصرة وداعش وما يسمى بالجيش الوطني السوري، وهددت بإسكان أكثر من مليوني لاجئ سوري موجودين لديها، وبطبيعة الحال فإن هذا أمرين أساسيين هما:
1- تهجير قسري لسكان المنطقة الأصليين وإجراء تغيير ديموغرافي وتطهير عرقي، وهذا ضد القانون الدولي وشكل من أشكال الجرائم ضد الإنسانية.
2- احتلال موصوف للأراضي السورية، وفي حال حصوله فإن تركيا لن تخرج من الأراضي السورية لأنها تعتبر كل الشمال السوري بما في ذلك مدينة حلب من ممتلكات السلطنة العثمانية وفقاً للميثاق الملي التركي، وستلحق بلواء اسكندرون وكيليكيا.
وقد أخذت الإدارة الذاتية التهديدات التركية على محمل الجد وعملت على إفشاله سواء عن طريق الدبلوماسية مع المجتمع الدولي وبخاصة قوات التحالف الدولي وروسيا والاتحاد الأوروبي والدول العربية، وعن طريق الاستعداد للمقاومة، وفي هذه الأثناء أعلنت الولايات المتحدة سحب قوات التحالف الدولي بعد اجتماع بين ترامب وأردوغان، أي أن ترامب سمح لأردوغان بالهجوم على منطقتي سري كانية وكَري سبي واحتلالهما.
كان قرار الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية هو المقاومة، وبالفعل عندما بدأ الهجوم التركي في الساعة الرابعة من يوم 9/10/2019م فقد قاومت قوات سوريا الديمقراطية بكل بسالة، وقد استخدمت القوات الغازية كل أصناف الأسلحة من المدفعية والدبابات والطائرات والأسلحة المحرمة دولياً (الفوسفور الأبيض)، وبالنظر إلى أن مدينتي سري كانية وكَري سبي مدينتان حدوديتان، فقد استطاع الغزاة أن يدخلوا إلى بعض أحياء المدينتين بعد عدة أيام من المقاومة البطولية.
في هذه الأثناء تحرك المجتمع الدولي، الكونغرس الأمريكي ومجلس الشيوخ والبنتاغون ضغطوا على ترامب لإيقاف القتال وكذلك فعلت كل الدول الأوروبية وكل الدول العربية باستثناء دولة قطر، اضطر خلالها ترامب لإرسال نائبه على رأس وفد رفيع المستوى للضغط على أردوغان من أجل وقف إطلاق النار، وبالفعل استطاع الوفد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة /120/ ساعة تخرج فيها قسد إلى مسافة 32كم عن الحدود، واستطاعت قسد أن تخرج كل جرحاها من مستشفى مدينة سري كانية، وأن تخرج أيضاً قواتها مما أدى إلى سقوط المدينة، وبالرغم من أن قسد قد أخرجت قواتها إلى المسافة المتفق عليها، إلا أن العدوان التركي لم يتوقف ولايزال قائماً حتى الآن.
-4-
خلال هذه الفترة أيضاً استطاعت قوات سوريا الديمقراطية بوساطة وضمانة روسية التوصل إلى اتفاق مع الحكومة السورية بنشر قواتها على الحدود، وبالفعل وصلت بعض قوات النظام إلى منبج وإلى كوباني، كما أرسلت بعض القوات إلى إقليم الجزيرة، ولكنها لم تكن قوات مقاتلة، وهذا الاتفاق عسكري فقط وليست له جوانب سياسية أي أن الإدارة الذاتية ومؤسساتها وقوات سوريا الديمقراطية تبقى كما هي، ويبقى كل شيء على حاله، إلا أن النظام استغل ذلك كدعاية سياسية وكأنه عائد وأن المنطقة أصبحت في حضنه وأقام احتفالات في بعض الأماكن لهذه الغاية.
وفي هذه الأثناء أيضاً كانت هناك اتفاقية سوتشي بين بوتين وأردوغان، وبموجبها تبتعد قسد مسافة /32/كم عن الحدود وتقوم روسيا وتركيا بتسيير دوريات مشتركة على الحدود بعمق /10/كم وهذه الاتفاقية أيضاً تعني أن الإدارة الذاتية ومؤسساتها وقوات سوريا الديمقراطية تبقى كما هي، وليست لها جوانب سياسية.
لقد تشكل في روج آفا - شمال وشرق سوريا وضع معقد جداً ويلفه الكثير من الغموض بالنظر لتعدد التدخلات الدولية والإقليمية والمحلية فيها، بل وحتى تواجدها العسكري على الأرض، وبالرغم من أن الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية وقواتها الأمنية الأخرى هي التي تسيطر على الموقف وتدير كافة شؤون المنطقة، فإن المدرعات الأمريكية وطائراتها والمدرعات الروسية والمدرعات التركية تجوب بعض أنحاء المنطقة، وعادت بعض قوات النظام بناء على اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية وبوساطة وضمانة روسية لتنتشر على الحدود مع تركيا، وهذا بحد ذاته يزيد من الغموض ويضع مواطني الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا أمام تساؤلات عديدة لا بد من توضيحها سواء عن طريق وسائل الإعلام إو في اللقاءات الجماهيرية، الآن استمرار الغموض سيؤدي إلى إضعاف معنويات الشعب خاصة في ظل استمرار هجمات الدولة التركية وتهديداتها.
-5-
أعلنت الإدارة الذاتية الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية بعيد الهجوم التركي عن استعدادها لإجراء مفاوضات مع النظام السوري بوساطة وضمانة روسية، وفي الواقع فإن الروس مرتاحون لمثل هذه الرغبة، ولكن ما هو مدى استعداد النظام لإجراء مفاوضات حقيقية تأخذ في الاعتبار كامل التغيرات التي حدثت في سوريا والمنطقة؟ التصريحات التي تصدر عن قيادة النظام غير مشجعة لأنها تحمل مواقف سلبية جداً ومنفصلة عن الواقع، فهل يملك الروس الجدية اللازمة للضغط على النظام؟
وفي كل الأحوال فإن من المؤكد أن الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية ستذهب إلى مثل هذه المفاوضات في حال حدوثها وهي تحمل خارطة طريق مفصلة وواضحة تحوي العديد من الثوابت وفي مقدمتها:
1- إن قوات سوريا الديمقراطية هي قوات سورية شرعية، وهي نواة للجيش السوري الجديد، مهمتها حماية روج آفا – شمال وشرق سوريا، ويجب احترام خصوصيتها في أية هيكلية جديدة للجيش السوري، ويخدم ضمنه أبناء شمال وشرق سوريا خدمتهم الإلزامية.
2- الاعتراف بالإدارة الذاتية الديمقراطية وكافة هيئاتها ومؤسساتها في إطار سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية.
3- حل القضية الكردية في سوريا حلاً ديمقراطياً في إطار الوطن السوري وفق العهود والمواثيق الدولية.
4- الاعتراف بالنظام التربوي والتعليمي في روج آفا – شمال وشرق سوريا بكل مراحله واعتباره جزءاً من قطاع التربية والتعليم في سوريا مع الاعتراف بخصوصيته.