افتتاحية العدد (417) - جريدة طريق الشعب: شمال وشرق سوريا - شمال غرب سوريا وآفاق الأزمة السورية

2019-09-15

-1-
بالرغم من لجوء أردوغان الأخير إلى بوتين لإيقاف هجوم النظام السوري ومعه الهجوم الروسي – الإيراني في شمال غرب سوريا، إلا أن الأوضاع في تلك المنطقة في غليان مستمر بالرغم من حالة التهدئة الأخيرة، ويقيناً فإن العمليات الحربية لن تتوقف بسهولة ولمدة طويلة، إذ بموجب اتفاق سوتشي بين بوتين وأردوغان كان على الجانب التركي القيام ببعض الإجراءات مثل المنطقة المنزوعة السلاح بعمق /20/كم، ومثل حل هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة) وغيرها من القوى الإرهابية، ومثل هذه الإجراءات كانت أيضاً ضمن قرارات أستانا القاضية بخفض التوتر في منطقة إدلب وشمال حماة وبعض مناطق اللاذقية وحلب.
تركيا أردوغان لم تفِ بتنفيذ هذه الالتزامات مما اضطر الجانب الروسي أن يعلن ذلك رسمياً، وحتى على وسائل الإعلام، وجدد مطالبته للجانب التركي بضرورة الإيفاء بوعوده، غير أن تركيا وبدلاً من ذلك أقامت /12/ نقطة مراقبة عسكرية في شمال حماة ومناطق اللاذقية وشمال حلب وفي محافظة إدلب كانت بمثابة قواعد عسكرية تزود بالأسلحة الثقيلة والمقاتلين على الدوام، وكانت المعارضة المسلحة وجبهة النصرة تطمئن بوعود تركيا لحمايتها.
النظام السوري لا يستطيع تحمل الوضع الذي كان قائماً لأن الأمر لا يتعلق فقط بإدلب، وإنما يتعلق بأربعة محافظات هي اللاذقية وحماة وحلب وإدلب، والروس أيضاً لهم أهدافهم الخاصة، والمعلن منها هو إعادة تلك المناطق، بل وكامل الأراضي السورية إلى حضن النظام، وكل هذه الأمور دفعت النظام والروس وإيران إلى بدء الهجوم على منطقة خفض التصعيد، وكانت البداية من شمال حماة حيث استطاع النظام وحلفاؤه السيطرة على كامل منطقة شمال حماة بمدنها وقراها، وحوصرت النقاط العسكرية التركية، وانتقل الهجوم إلى جنوب محافظة إدلب.
كان أردوغان محرجاً فإما أن يدافع عن تلك المناطق وعن المعارضة (جماعته) ويواجه كلاً من روسيا والنظام وإيران وحزب الله، وهو أمر ليس بمقدوره القيام به بالنظر للتبعات الكثيرة التي ستترتب على ذلك، وإما أن يسكت فتدمر جماعته وتتخلى عنه، وهذا معناه فشل كل السياسات التركية في سوريا، ولذلك فقد اختار التوجه إلى بوتين، وتقديم الوعود من جديد ومن ضمنها تنفيذ بنود اتفاق سوتشي.
بوتين يعرف جيداً أزمة أردوغان، ويريد أن يبعده عن الولايات المتحدة بشكل نهائي، ولذلك فهو لا يضغط عليه بشكل كاف، وإنما يراعي ظروفه، ولذلك فقد وجه النظام السوري بإعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد، وبعدم مهاجمة النقاط العسكرية التركية، وأعطى لأردوغان فرصة أخرى بحل جبهة النصرة، وإنشاء المنطقة منزوعة السلاح، وبالضغط على المعارضة المسلحة بالالتزام بوقف إطلاق النار.
غير أن كل ذلك مؤقت، ووقف إطلاق النار هش ولن يدوم طويلاً، خاصة وأن روسيا والنظام عازمتان كمرحلة أولى على فتح طريق حلب – دمشق وطريق حلب – اللاذقية، وروسيا والنظام يعلمان جيداً بأنه لن يتم حل جبهة النصرة، بل ما معنى حل جبهة النصرة سواء بإعطائها اسماً جديداً، أو تقسيمها إلى وحدات تحمل اسماً محدثة، وغي كل الأحوال ستبقى جبهة النصرة هي هي وإحدى منظمات القاعدة، وبنفس النهج السياسي والفكري والعسكري، وستتلقى أوامرها وتوجيهاتها من قيادتها المعروفة.
-2-
المنطقة الآمنة. أنشأت باتفاق أمريكي – تركي، وقد أخذ الجانب الأمريكي بالاعتبار مواقف وآراء قوات سوريا الديمقراطية أثناء المفاوضات مع الجانب التركي، وبالرغم من أن بعض جوانب هذه الاتفاقية لا زالت غامضة، فقد أصبح من المعروف أن عمق هذه المنطقة هو /5/كم تصبح صفراً عند المدن، وفي منطقة صغيرة بين سري كانيه وكَري سبي يصبح عمقها /9 – 14/كم، وأن المجالس العسكرية للمدن هي التي ستحمي هذه المنطقة، ولن يدخلها الجيش التركي، وإنما ستنشأ فيها نقاط مراقبة، وأن من حق الذين هجروا من هذه المنطقة من المدنيين فقط العودة إلى ديارهم، ولا يحق لسكان المناطق الأخرى العودة إلى المنطقة بين سري كانيه وكَري سبي فقط، ولكن قوات سوريا الديمقراطية تريد إقامتها على طول الحدود من نهر دجلة إلى نهر الفرات.
بالرغم من المخاوف العديدة، والقلق الشعبي المشروع من خطورة المنطقة الآمنة، فإن الذي حدث كان على عكس رغبات تركيا أردوغان، وأقرب إلى مطالب قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية الديمقراطية ورغبة سكانها، وهي أقرب إلى صفة آلية أمنية وليس منطقة آمنة، وهذه الاتفاقية سوف تردع أي هجوم تركي على منطقة شرق نهر الفرات، وكذلك أي هجوم من جانب النظام السوري إذا أراد ارتكاب حماقة.
بالرغم من قبول إقامة المنطقة الآمنة كأمر واقع، إلا أن الرابح الأكبر منها هو الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، وكل شعوب روج آفا – شمال وشرق سوريا، لأنها من جهة ستمنع أي هجوم على المنطقة، ومن جهة أخرى ستفسح المجال للإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية بالتفرغ لـ:
1- استئصال خلايا داعش النائمة وغيرها من القوى الإرهابية.
2- استكمال بناء القوات العسكرية عدداً وعدة، وإقامة التحصينات وتعزيز القوى الأمنية.
3- التفرغ لمرحلة البناء، المرحلة الجديدة بعد القضاء على داعش وفقاً لضرورات المرحلة الجديدة بدءاً من برامج سياسية واقتصادية واجتماعية وخدمية، وتعميق التجربة الديمقراطية لأن هناك من يلعب على خلق الفتن وبخاصة النظام السوري وتركيا، وستكون وحدة المكونات ووحدة الصف الكردي في أولويات تلك البرامج.
-3-
إضافة إلى منطقتي شمال وشرق سوريا التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية بمساعدة التحالف الدولي، وشمال غرب سوريا التي تسيطر عليها تركيا والمجموعات التابعة لها من المعارضة المسلحة وجبهة النصرة وغيرها من القوى الإرهابية، هناك منطقة البادية السورية الممتدة بين دير الزور وحمص التي لايزال يسيطر على قسم كبير منها تنظيم داعش الإرهابي، ثم هناك المنطقة التي يسيطر عليها النظام السوري بدعم مباشر من روسيا وإيران وحزب الله وغيرها من المجموعات الشيعية العراقية وغيرها، وبهذا الشكل تبدو سوريا مقسمة إلى عدة أقسام في ظل تدخلات دولية وإقليمية واضحة.
وفي إطار الوضع الحالي والاحتمالات المتغيرة لا يبدو في الأفق أي حل واضح للأزمة السورية، فجهود المبعوث الدولي السيد غير بيدرسون لاتزال تصطدم بعقبات كثيرة بالرغم من تصريحاته بحدوث تطورات إيجابية، إذ لايزال موضوع الدستور السوري واللجنة الدستورية عالقاً، والجهود الحالية لوضع الدستور الجديد بغياب الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية ستكون عبثية، إذ ما معنى وضع دستور بالضد من إرادة أكثر من /5/ ملايين نسمة من السوريين في شمال وشرق سوريا، وبغياب ممثلها العسكري قوات سوريا الديمقراطية التي تسيطر على مساحة أكثر من 30% من الأراضي السورية، وكذلك امتثالاً للضغوط التركية والإيرانية، إضافة إلى وجود أكثر من نصف السوريين المهجرين والنازحين؟ ثم هناك قضية رئيسية يتغافل عنها الكثيرون وهي الوجود التركي والإيراني بل احتلالهما لإرادة السوريين وأرضهم، ومن المؤكد لن يكون هناك أي حل للأزمة السورية في ظل وجود هاتين الدولتين على الأرض السورية.
إن الصراع الحالي في سوريا ليس صراعاً سورياً – سورياً، وإنما هو صراع دولي وصراع إقليمي وصراع محلي، إضافة إلى أنه في حلف النظام يبدو الصراع الروسي – الإيراني واضحاً، وقد يتطور في مرحلة من المراحل بشكل أوضح، والعلاقة بين تركيا وروسيا قد لا تكون في أحسن حالاتها، وهي تمر الآن بصعوبات كثيرة بالنظر إلى الأهداف المختلفة للجانبين في سوريا، وبخاصة في المواجهات الحالية في إدلب وشمال حماة، يضاف إلى ذلك أن تفاهماً أمريكياً – روسياً حول الحل النهائي للأزمة السورية يبدو بعيداً اليوم، لأن الخلاف بين الجانبين يتسع أكثر فأكثر في الوقت الحالي حول العديد من القضايا الدولية.