التمدد التركي واللهجة الجديدة لأمريكا - فتح الله حسيني

2019-07-15

لا يختلف عاقلان أو متتبعان على الأقل لما آل إليه الوضع في الخارطة السورية أن لتركيا "الجارة" دور سلبي واضح وفاضح في استدامة الأزمة إلى يومنا هذا، وإلحاق الخسائر بجميع صنوفها البشرية والبنيوية والمكانية بالواقع السوري الراهن، المستند إلى نزعة الخلاص من نيران الحرب وتعقيدات أسس السلام المنشود، وهذا هو لسان حال جميع السوريين، وربما، هذا ما يؤكده لسان حال السوريين في الشتات، إذ لا أحد سينسى احتلال تركيا لعدة مدن سورية، وأن العربي السوري لن ينسى احتلال تركيا لمدن الباب وجرابلس وإعزاز، كما وبكل تأكيد لن ينسى الكردي احتلال تركيا ومرتزقتها لمقاطعة عفرين، والجميع بانتظار توافق سياسي في هذا المضمار أو ربما بدء معارك جديدة ضد الاحتلال التركي الوقح في الواقع السوري ميداناً وسياسياً وعسكرياً وبكل صفاقة.
التمدد التركي في المنطقة، سواء عسكرياً أو لوجستياً أو إعلامياً، كشف عن خطورته القصوى، أبان تحدي تركيا ونظامها للمجتمع الدولي وإرادته، وخصوصاً بعد الضربات الإرهابية التي طالت مدن أوروبية آمنة، كل الأمان، مما يشي بأن تركيا الواقفة منذ آمد طويل على أبواب الاتحاد الاوروبي باتت تفكر في اتحاد من نوع آخر، وهو اتحاد شاذ في المنطقة، أي اتحاد تركي – قطري بمعزل عن إرادة شعوب المنطقة برمتها بعد كل ذلك الخراب والفوضى الذي أسس له ما سمي بالربيع العربي الذي أفضى إلى الخريف القاسي دون مسميات أخرى.
تركيا باستلامها منظومة الصواريخ الروسية، أصرت على تمددها عسكرياً في الانقلاب على بنود حلف الناتو، بعد أن كسرت إرادة الناتو ذاته في قاعدة انجرليك في حرب الخليج، وبذلك باتت تشذ عن أي مهمة جماعية، وباتت تحقق مرادها بشكل فردي، بعد تورطها في احتلالات ضمن الأراضي السورية، وهذا هو الراهن الذي سيكسر ظهر العدالة والتنمية وحاكمها أردوغان في ظل خسارات متتالية في الداخل التركي وآخرها رئاسة بلدية استنبول.
في هذا المضمار، كشف موقع "ميدل ايست آي" البريطاني أن عوامل مباشرة عديدة أدت إلى هزيمة أردوغان في انتخابات استانبول أهمها توافق سياسي غير معلن بين حزب الشعوب الديمقراطي وحزب الشعب الجمهوري، ومآلات الحرب في سوريا وتدخل تركيا الفج في شؤون غيرها من الدول.
ونوه الموقع البريطاني إلى أن أردوغان جعل دمج تركيا في العالم العربي أولوية، وكان محور هذا التواصل الجديد هو علاقته مع رئيس النظام بشار الأسد، الذي أقام معه علاقات عائلية وثيقة، ووصفه بأخيه، بعد أن تدخل ميدانياً في الشأن السوري بمعزل عن إرادة الشعوب السورية وبمعزل عن إرادة النظام نفسه، ومحاولة رجحان كفة الإخوان المسلمين وفرضها على إرادة الشعوب السورية كنظام حكم مستقبلي.
لحظة إعلان تركيا، عن تسلمها الشحنة الأولى من منظومة صواريخ إس 400 الروسية ووصولها إلى أراضيها وتأكيد روسيا ذلك، استعدت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لفرض عقوبات قاسية على أنقرة، تشمل إنهاء مشاركتها في برنامج مهم خاص بطائرات حربية مقاتلة، يشمل تعليق تدريب الطيارين الأتراك على مقاتلات إف-35 المتقدمة، حيث كانت واشنطن قد حذّرت من أنها ستفرض عقوبات على تركيا، إذا مضت قدماً في إتمام صفقة شراء المنظومة الصاروخية إس-400 (S-400) روسية الصنع، مهددة بتصعيد مكثف لاضطرابات الأسواق المالية، التي لا تزال متأثرة سلبياً على خلفية المواجهة الدبلوماسية التي حدثت في العام الماضي، في خطور تصعيدية من واشنطن حيال أنقرة، بعد أن صعدت من لهجتها حيال طهران.
الإفرازات السلبية لمجمل المتغيرات السلبية في المنطقة كان بفضل حماقات أنقرة وطهران، وهذا ما أثبته وبينه الواقع السوري والعراقي واليمني واللبناني معاً، وتمثلت خطور أنقرة أكثر في لعبها بورقة الإرهاب وخاصة داعش وجبهة النصرة وشنها هجمات على مناطق قريبة وبعيدة، مما فضحت أكثر عن نوايا أنقرة وعدم رضاها عن أمن المنطقة واستقرارها، مما يؤكد أن النظم غير المستقرة لا تستطيع أن تؤمن الاستقرار في المنطقة الملتهبة أصلاً وسط خرائط متغيرة جديدة.
ربما نعيش المعارك الأخيرة في سوريا، والجميع بانتظار البدء بالحل السياسي بمشاركة القوى الرئيسة وخاصة الكرد، الكرد الذين دفعوا الضريبة كثيراً جراء السياسات التركية العشوائية والعدائية حيال الكرد، ولكن ظل للكرد مشروعهم، مما يثبت بأن المشروع العدائي الذي تقوده أنقرة، سينهار عاجلاً أو آجلاً، وسط كل الفضائح التي تثقل كاهل النظام التركي ورئيسه رجب طيب أردوغان الذي بات قاب قوسين أو أدنى من الإعلان عن الخسارة رسمياً، ورغماً عن إرادته أيضاً.