السنابل تصارع الرماد - أزهر أحمد

2019-06-15

منذ لحظة معانقة حبات القمح ذرات التراب, نسجت قصص العشق وأماني المحبين, ليعيش الأحبة في أحلامهم المنتظرة بفارق الصبر, وليراقب الجميع تلك الحبات وهي تكبر رويداً رويداً تبث الطمأنينة في النفوس مبشرة بمواعيد لقاء الأحبة, وتحقيق أماني الجميع, تبقى ساعات الفرج مرهونة بنضوج سنابل القمح فهي الأمل والرجاء, بعد غدر ليالٍ عجاف, لتبشر بتحقيق الأماني حالمة بحفلات السمر ومراسيم الزواج وبناء بيوت كأعشاش البلابل تبعث بالحياة وضيافات الأعياد تنتشر على الأرصفة وأزقة البيوت حتى تلك التي تخفي ما بقيت من المآسي في زواياها العتمة النيرة الجديدة القديمة, ولتنضج حبة القمح مبشرة بالأمل والأماني: خبزاً, برغلاً, سميداً, فطيرة, حلواً, كعكة للعيد تتباهى بها الأم.
ومع كل لحظة ودقيقة وساعة ويوم وشهر من نمو تلك السنبلة قصة, وحكاية وأمنية لتنحني وقاراً لمحبيها في خشوع وحياء رغم شيبها معلنة النضوج, متضرعة للخالق أن تكون نصيب راعيها وحاميها ومبذرها وساقيها وحاصدها ومزارعها وآكلها.
الأحلام والأمنيات تكبر كلما كبرت ونضجت سنابل القمح لتعلن قرب ساعات الحصاد فسنابل القمح سئمت الوقوف راغبة الخلود إلى الراحة. فتتكالب خفافيش الليل في غير أوقاتها وهي تخرج من أوكارها عند منتنصف النهار على غير عادتها معبرةً عن مدى قذارة حقدها تقهقه ثملة ناشرةً الدمار والخفافيش تضرم النيران في منتصف بحور سنابل القمح منتقمة من كل الأماني حتى التي لم تولد بعد, أمواج النار ترتفع باعثة ألسنة دخان تريد الرحيل, بل الهروب بعيدة عن قساوة قلوب تلك الخفافيش الحاقدة التي تتقمص شاكلة البشر, تعبر عن مدى عفونة دمائها وخبث أفكارها وكمية سمومها بعد أن أزالت الأقنعة وظهرت على حقيقتها.
فتتظافرالجهود معلنة مرحلة جديدة من الدفاع عن الذات والانتقام وهي تجدد إعلان ثورة البؤساء في مرحلة أخرى بعد مراحل التحرير وقد وحدتها موت الأماني وألسنة الدخان ولون الرماد ونداء النجدة وزمامير الإطفائيات وأمواج لهيب النيران وروائح جثث الحيوانات المحترقة وهي في أوكارها.
ليمسح الجميع الدموع وليواسوا بعضهم البعض وهم يفتحون صفحة جديدة في روج آفا بأماني جديدة بطهارة وبراءة أحلام أولاد الشمس وعشاق القمم حالمين بولادة يوم جديد أكثر قوة وعزماً على المقاومة بعد أن مزقوا صفحة سوداء أخرى من التاريخ الذي كتبه ودنسه الظالمون وكأن السنابل ستبقى تصارع الرماد باعثة الأمل.