محمد صالح عبدو عضو المكتب السياسي للحزب اليساري الكردي في سوريا في لقاء خاص مع جريدة (طريق الشعب)

2019-06-15

تطورات تلقي بظلالها على المشهدين السياسي والعسكري في سوريا، إذ دخلت الأزمة السورية مرحلة جديدة بعد الانتصار التاريخي على داعش وهزيمته في آخر معاقله في سوريا، ولعلّ أبرز تلك التطورات زيارة الوفود الأوروبية الرسمية بشكل مكثف إلى روج آفاي كردستان واللقاء مع مؤسسات الإدارة الذاتية الديمقراطية، ومن ثم تركيز الجهود الدولية على إنشاء منطقة آمنة والتي مازالت غامضة حتى هذه اللحظة، إضافة إلى اشتداد المعارك في مناطق شمال غرب سوريا وبالذات محافظة إدلب وانهيار أو فشل اتفاقية سوتشي بين روسيا وتركيا، من جانب آخر التهديدات الأمريكية – الإيرانية التي أشعلت منطقة الشرق الأوسط ووضعتها على برميل من البارود لا ندري في أي لحظة تتحول إلى حرب لا يحمد عقباها، سيناريوهات عدة ومحاور عديدة سنناقشها مع السياسي الكردي محمد صالح عبدو عضو المكتب السياسي للحزب اليساري الكردي في سوريا ضيف جريدتنا (طريق الشعب):
- بداية كيف تقرأون مرحلة ما بعد داعش باختصار شديد؟ - بعد القضاء على داعش عسكرياً ظهرت خلايا نائمة وقامت بالعديد من عمليات التخريب والاغتيالات وجرائم وحشية، برأيكم كيف يمكن الوقوف في وجه تلك العمليات والقضاء على الخلايا الإرهابية؟
بداية أشكركم على هذا اللقاء، وأود دمج سؤالكم الأول والثاني وأن أرد عليهما دفعة واحدة. إن القضاء على داعش عسكرياً في روج آفاي كردستان وشمال وشرق سوريا يعني انتهاء ما سميت بدولة الخلافة الإسلامية ولا يعني انتهاء داعش، إن داعش لا يزال موجوداً عسكرياً وسياسياً في البادية السورية، وفي مناطق عديدة من سوريا بأشكال ومسميات مختلفة، ولا يزال داعش موجوداً في عدة دول مثل أفغانستان وليبيا والعديد من الدول الإفريقية وإن بأسماء مختلفة، ثم إن داعش كفكر لا يزال موجوداً على نطاق واسع في العديد من دول العالم، وأضيف بأن هزيمة داعش والخلاص منه لا يتم فقط عسكرياً وإنما يجب أن يحارب فكرياً وسياسياً واقتصادياً أيضاً لأن داعش لم يولد من فراغ وهناك أسباب واقعية أدت إلى ظهوره، وفي روج آفا وشمال وشرق سوريا تبذل الإدارة الذاتية الديمقراطية جهوداً كبيرة من أجل استئصال خلايا داعش النائمة، وأرجو أن تترافق الحملة العسكرية الدقيقة التي تقوم بها قوات سوريا الديمقراطية وقوات التحالف الدولي مع حملة فكرية وسياسية مركزة ودقيقة تقوم بها الجهات المختصة والقوى والأحزاب السياسية والشخصيات الاجتماعية في الإدارة الذاتية الديمقراطية، وأما بالنسبة لقراءتي لمرحلة ما بعد الانتصار على داعش فدعني أدمجه مع سؤالكم الأخير.
- الحديث عن إنشاء منطقة آمنة في روج آفا بات الشغل الشاغل لأمريكا والدول الأوروبية، كيف تقيّمون ذلك، وما موقفكم من إنشائها؟
المطالبة بمنطقة عازلة ومنطقة آمنة - وهما مفهومان مختلفان من حيث الشكل والمضمون – كان مطلباً تركياً، إذا كانت تركيا تصر منذ بداية الأزمة السورية على تشكيل منطقة عازلة، وكانت تهدف من ورائه تشكيل منطقة لا يستطيع النظام السوري مهاجمتها، وفي هذه المنطقة كانت ستتجمع الفصائل الموالية لتركيا، وكانت تركيا نفسها ستقوم بحمايتها، والغاية من ذلك واضحة، وهي احتلال تركيا لجزء من الأراضي السورية وشرعنة الفصائل التابعة لها وحمايتها وبالتالي فرض الحلول التركية للأزمة السورية والسيطرة على مستقبل سوريا، غير أن ذلك لم يتم ووقف المجتمع الدولي ضد الطلب التركي.
وبعد تحرير وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية لكامل مناطق روج آفا وشمال وشرق سوريا زادت المطالبة التركية بإحداث منطقة آمنة بعمق /35/كم، وفي الواقع فإن تركيا تطالب بمنطقة عازلة أي أكثر من آمنة تكون تحت حمايتها وتتراجع وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية بأكثر من /35/كم، وهذا يعني عملياً احتلال كامل الشمال السوري من قبل تركيا ومرتزقتها قبل أن يأتي عام 2023م، أي مرور /100/ عام على اتفاقية لوزان.
وبالرغم من الخلافات الأمريكية – التركية فإن الولايات المتحدة تحاول بكل السبل أن لا تخسر تركيا حليفتها في حلف الناتو، وأن لا تصطف تركيا مع روسيا، ولذلك كان هناك حوار مستمر بين الجانبين على مسألة إقامة منطقة آمنة.
نحن في الحزب اليساري الكردي في سوريا ندرك والإدارة الذاتية الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية أيضاً تدرك جيداً المرامي التركية حول إقامة المنطقة الآمنة ولنا مفهومنا الخاص حول ذلك، ونحن نرفض المنطقة الآمنة بالمقاسات التركية، وإذا كان لا بد من إقامتها فنحن نقبل هذه المنطقة على أن لا تكون بحماية تركية، وأن لا تتواجد فيها قوات لا تقبل بها الإدارة الذاتية، نحن نقبل منطقة آمنة بحيث تتواجد فيها نقاط مراقبة دولية، وبالدرجة الأولى قوات التحالف الدولي وأن تكون تلك النقاط على جانبي الحدود، وأن لا تتراجع وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية خطوة واحدة إلى الوراء.
- في الآونة الأخيرة كثرت زيارات الوفود الأوروبية الرسمية إلى روج آفا واللقاء مع مؤسسات الإدارة الذاتية، هل من اعتراف سياسي ضمني بالإدارة الذاتية من قبل دول تلك الوفود؟
في الحقيقة لم تنقطع زيارات الوفود الأجنبية وبخاصة الأوروبية والأمريكية إلى روج آفا – شمال وشرق سوريا، وإذا كانت هذه الزيارات قد زادت في الآونة الأخيرة فهو أمر طبيعي يعكس أهمية الإدارة الذاتية الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية، إذ بعد أن قضت وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية على دولة الخلافة الإسلامية المزعومة، فقد تحولت الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية إلى قوة رئيسية في سوريا وجزءاً أساسياً لا يمكن القفز على دورها في أي حل للأزمة السورية، أي أن وزن الإدارة الذاتية قد تجاوز البعد المحلي إلى الإطارين الإقليمي والدولي كتجربة ديمقراطية فريدة في المنطقة يجب حمايتها، والكثير من هذه الوفود تعلن صراحة عن تأييدها ودعمها للإدارة الذاتية وضرورة مشاركتها في كل المحافل الدولية الرامية إلى إيجاد حل للأزمة السورية، وفي لجنة وضع دستور سوريا المستقبل، وبالتأكيد فإننا نرحب بزيارة هذه الوفود، ونعمل من أجل إيصال صوتنا وموقفنا إلى جميع دول العالم.
أما هل أن هذه الوفود التي تمثل بلدانها تعترف بالإدارة الذاتية الديمقراطية، فبحسب المعلومات المتوفرة لدي أن العلاقات تتحسن مع تلك الجهات التي تعرب عن دعمها ومساندتها للإدارة إلى درجة الاعتراف الضمني، وأعتقد أن الاعتراف الرسمي وفقاً لمبادئ القانون الدولي سيكون في إطار الحل النهائي للأزمة السورية.
- ما مصير تركيا بعد شراء منظومة الصواريخ الروسية /S400/ في ظل التهديدات الأمريكية؟
العلاقات الأمريكية – التركية تتأزم بشكل متسارع، وقد وصلت إلى درجة كبيرة من السوء وهناك أسباب عديدة لذلك منها صفقة الصواريخ الروسية /S400/ وموقف تركيا من الصراع الأمريكي – الإيراني والعقوبات الأمريكية على إيران، وموقفها من قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية الديمقراطية وعلاقاتها المتسارعة مع روسيا... الخ.
إذا لم تتراجع تركيا عن شراء منظومة الصواريخ الروسية فإنه من المتوقع أن تسوء العلاقات أكثر، وأن تقوم الولايات المتحدة بفرض عقوبات عليها، وأن يتم تحديد علاقتها مع حلف الناتو، وبالرغم من العلاقات المتردية بين الطرفين هناك لقاءات مستمرة بينهما، أمريكا لا تريد أن تخسر تركيا كدولة في حلف الناتو وهي تحاول الإبقاء على شعرة معاوية معها، ولكنها غير متفقة مع نظام أردوغان مع تركيا التي يقودها أردوغان وحزب العدالة والتنمية كجزء من منظومة الإخوان المسلمين الدولية، وهي تأمل خسارته في الانتخابات القادمة وأن تتمكن قوى معارضة أخرى من الوصول إلى السلطة في تركيا التي تشهد في عهد أردوغان توتراً في الوضع الداخلي وعدم الاستقرار الاقتصادي والانقلاب على الديمقراطية.
- هل سنشهد حرباً دولية في منطقة الشرق الأوسط؟
منطقة الشرق الأوسط تشهد عدداً من الحروب، وإذا كان المقصود من سؤالكم هو الحرب بين الولايات المتحدة وإيران فأعتقد بأن الطرفين لا يريدان الحرب، وأن التهديد أو التلويح بالحرب يهدف إلى تحقيق غايات سياسية، الولايات المتحدة تفضل أن تقوم العقوبات الاقتصادية والسياسية بما يجب أن تحققه الحرب، ومن المستبعد في الظروف الدولية الحالية أن تشن الولايات المتحدة الحرب على إيران، والأولوية لها ولحلفائها هو ضرب أذرع إيران في المنطقة وأن تنكفىء إيران إلى داخل حدودها.
- كيف السبيل إلى تحرير عفرين؟
تحرير عفرين أولوية بالنسبة للشعب الكردي، وأعتقد بأن الإدارة الذاتية ووحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية تبحث عن الفرصة المناسبة للبدء بمعركة تحرير عفرين، وأعتقد أيضاً أن معركة إدلب قد تفتح آفاقاً مناسبة للبدء بعملية التحرير، ذلك لأن ساحة عفرين وساحة إدلب هما ساحة واحدة من حيث تجاورهما ومن حيث القوى المتواجدة فيهما ومن حيث الظروف الدولية والإقليمية.
- كيف تقرأون مصير الأزمة السورية في ظل تلك الأحداث التي تحدثنا عنها؟
بالنسبة لمصير الأزمة السورية فلا أرى ضمن المعطيات الحالية مخرجاً واضحاً لها، وهي تقف الآن أمام مجموعة من التحديات منها أن العديد من الدول وبخاصة المتدخلة في سوريا تبحث الآن عن نصيبها من الكعكة السورية ولم تصل حتى الآن إلى تفاهمات مشتركة، ومنها أيضاً معركة إدلب التي يبدو أن حسمها لا يزال بعيد المنال، وكذلك احتلال تركيا لعفرين وإعزاز والباب وجرابلس، كما أن وضع دستور سوري جديد بالأساليب المطروحة حالياً غير ممكن، تضاف إلى ذلك الأزمة الناشبة الآن بين الولايات المتحدة وإيران التي تلقي بظلالها على الأزمة السورية لأن كلتا الدولتين متواجدتين في سوريا، ولدي قناعة راسخة بأنه إذا لم يتم إخراج قوات كل من إيران وتركيا من سوريا فلا يمكن إيجاد أي حل للأزمة السورية، وعلى ذلك لا يوجد أفق واضح الآن لحل الأزمة السورية، خاصة وأن النظام السوري لم يقدم حتى الآن أي حل واقعي للأزمة سوى الحل العسكري والأمني.
- كيف تقيّمون الوضع الخدمي والمعيشي في مناطق الإدارة الذاتية في ظل تردّي تلك الخدمات، وشكاوى الأهالي من جراء ذلك؟
وأما بالنسبة لشكاوى المواطنين حول الوضع الخدمي والمعيشي في مناطق الإدارة الذاتية فهي شكاوى محقة وخاصة بعد القضاء على داعش في روج آفا وشمال وشرق سوريا فإنني أعتقد بأن أولى المهام التي يجب التصدي لها بعد القضاء على خلايا داعش والاستعداد العسكري أمام أي عدوان تركي أو من أية جهة كانت هي:
1- وضع برنامج سياسي جديد يتناسب مع المرحلة الجديدة يركز على تحرير عفرين وعلى تعزيز وحدة كافة مكونات شمال وشرق سوريا من الكرد والعرب والسريان وباقي المكونات الأخرى، ووحدة الصف الكردي، وتعزيز التجربة الديمقراطية وتعميقها، وعقد التحالفات مع الجهات الصديقة، والدخول على خط حل الأزمة السورية كأحد الأطراف الرئيسة.
2- وضع برنامج اقتصادي جديد يتضمن تطوير كافة القطاعات الاقتصادية، وتحسين المستوى المعيشي للجماهير الشعبية، وتطوير القطاع الإنتاجي في إطار الإدارة الذاتية وصولاً إلى مرحلة تأمين الأمن الغذائي والاعتماد على الذات.
3- وضع برنامج جديد لتحسين مستوى الخدمات المقدمة للشعب، وبخاصة الكهرباء والماء والخبز وتحسين حالة الطرق ونظافة المدن، وتحسين قطاعي التعليم والصحة وغيرها.
4- في هذه المرحلة الجديدة تتعاظم أهمية العمل السياسي بكافة جوانبه، وتتعاظم أهمية العمل الدبلوماسي لأن المسألة السورية لها أبعادها الداخلية والإقليمية والدولية التي تقتضي ممارسة دبلوماسية نشطة في كافة الاتجاهات.
بتضافر مجموع البرامج ستتمكن الإدارة الذاتية من تعزيز العاملين الذاتي والموضوعي اللذين يضعان أساس حماية الانتصار وحماية المكتسبات المحققة، بل والولوج إلى انتصارات جديدة.
حاوره: عزيز أحمو