افتتاحية العدد (414) - جريدة طريق الشعب: معركة إدلب وآفاقها

2019-06-15

-1-
بدأت معركة إدلب واقعياً منذ عدة أسابيع، وقد بدأتها قوات النظام السوري بالهجوم على مناطق شمال حماة، وبعض قرى جنوب إدلب، وفي نفس الوقت قامت الطائرات الروسية بقصف بعض المواقع، ولكنها سارعت بالإدعاء بأنها تقوم بقصف دقيق على بعض المواقع، وهذا يعني أن روسيا تعلن أنها لم تبدأ بعد معركة شاملة ضد المعارضة المسلحة وجبهة النصرة.
يأتي هذا التصريح الروسي من جهة رداً على مواقف الولايات المتحدة وأوروبا اللتان ترفضان هذا الهجوم بحجة حماية المدنيين، ومنع تشكل موجات جديدة من المهاجرين، ومن جهة أخرى لعدم استفزاز الجانب التركي الذي يتمتع بعلاقة جيدة مع روسيا، ولا تريد روسيا أن تخسره خاصة وأن علاقات تركيا مع الولايات المتحدة تمر بمرحلة سيئة وتريد روسيا إبعاد تركيا عن الولايات المتحدة وحلف الناتو.
تقع إدلب ضمن إطار منطقة خفض التصعيد وفقاً لاتفاقية سوتشي الموقعة من قبل روسيا وتركيا، ومعروف أن تركيا لم تقم بتنفيذ التزاماتها وفق بنود هذه الاتفاقية التي تنص على أن تقوم تركيا بنزع سلاح المجموعات الإرهابية وفي مقدمتها جبهة النصرة وبالتالي حلها، وروسيا لا يمكنها قبول ذلك إلى ما لا نهاية، لقد منحت روسيا عدة مهل إضافية لتركيا لتقوم بتنفيذ التزاماتها، مع ذلك لم تفعل تركيا شيئاً ليس لأنها لا تستطيع القيام بشيء، وإنما لأن تركيا لا تريد تنفيذ بنود الاتفاقية.
البدء بمعركة إدلب سيعني قبل كل شيء فشل اتفاقية سوتشي، ولكن كلاً من روسيا وتركيا لا تصرحان عن ذلك علانية، لأن كلتاهما في ورطة، ولا تريدان الاستعجال بإطلاق الكلمة الأخيرة.
روسيا في ورطة أمام معركة إدلب لأنها إن أعلنت الحرب الشاملة وفشل اتفاقية سوتشي فإنها ستخسر تركيا وبالتالي ستخسر المكاسب الكبيرة التي حصلت عليها بنتيجة الاتفاقيات العديدة التي أبرمتها مع تركيا، وقد تحسب روسيا أنه ليست هناك ضمانة لربح معركة إدلب لأنه من المتوقع أن لا تقف تركيا مكتوفة الأيدي أمام هجوم روسيا والنظام على إدلب، وبالفعل فقد قدمت تركيا في الآونة الأخيرة شحنات كبيرة من الأسلحة إلى المعارضة المسلحة بما في ذلك أسلحة نوعية متطورة، وهذا ما أدى إلى أن تقوم المعارضة المسلحة بهجمات معاكسة على قوات النظام وأن تطرد قوات النظام من بعض المناطق، وتركيا في ورطة لأنها إن سمحت لروسيا والنظام بالهجوم الشامل فإنها ستخسر كثيراً، وبخاصة أن كل ما عملته وقدمته من أموال وأسلحة للمعارضة المسلحة ستذهب هباء وستخرج من المولد بلا حمص، وهي إن قاومت الهجوم الروسي فإنها ستخسر سياسياً وقد تخسر عسكرياً، وقد يؤدي ذلك إلى خروجها من كافة المناطق السورية التي احتلتها وتحديداً عفرين وإعزاز والباب وجرابلس، وستكون لكل ذلك انعكاسات سلبية جداً على تركيا، ثم هناك الولايات المتحدة والتحالف الذين يعلنان صراحة عن عدم رضاهما عن الهجوم الروسي وهجوم النظام على إدلب، وبالتأكيد فإن روسيا والنظام يأخذان هذا الموقف على محمل الجد، وهذا يزيد من تورط روسيا وإحراجها.
-2-
من المعروف أن كل الفصائل المسلحة في إدلب، وبما في ذلك جبهة النصرة وغيرها وغيرها من المجموعات الإرهابية تتواجد بنفس الوقت في عفرين بما في ذلك عائلاتهم، إضافة إلى أن الاحتلال التركي ومرتزقته قد أسكنت مهاجري العديد من المناطق السورية في عفرين في إطار سياسة التطهير العرقي الذي يمارس في عفرين وعلى نطاق واسع، إضافة إلى أن النقاط العسكرية التي أقامتها تركيا في إدلب وشمال حماة وشمال حلب واللاذقية حولت تلك المناطق واقعياً إلى مناطق احتلال تركية شأنها في ذلك شأن احتلالها لعفرين.
وانطلاقاً من هذه الحقيقة فإن المعركة في إدلب يجب أن تترافق مع معركة في عفرين، وإذا كانت روسيا والنظام السوري لا يهتمان بتحرير عفرين لأنهما ساعدتا أساساً على احتلالها من قبل تركيا ومرتزقتها فإنهما تتهربان من الحقيقة، وستدركان إن عاجلاً أم آجلاً هذه الحقيقة.
إننا نعتقد أن أية معركة شاملة في إدلب تقتضي فتح المعركة في عفرين أيضاً، وإذا لم تقدم روسيا والنظام على ذلك فإن تركيا ومرتزقتها ستفتح المعركة لأن ساحة المعركة في عفرين وإدلب ساحة واحدة فهما متجاورتان من جهة، ومن جهة أخرى فإن نفس القوى موجودة في الساحتين.
من جهة أخرى فإن معركة إدلب تفتح الطريق أمام وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية للبدء بمعركة تحرير عفرين، لأن تحرير عفرين هي أولوية بالنسبة لها وبالنسبة للشعب الكردي والإدارة الذاتية الديمقراطية، وعليه فإننا نرى ضرورة الاستعداد العسكري والسياسي والاجتماعي لتحرير عفرين، ولا شك أن المسألة لا تتوقف فقط على وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية لأن المعركة في إدلب، بل والصراع في سوريا عامة يجري ضمن مواقف وتدخلات دولية وإقليمية مختلفة، وسيكون لذلك تأثيراته وتداعياته على معركة عفرين أيضاً.
-3-
تجري في الآونة الأخيرة على الساحة السورية اتصالات ولقاءات عديدة بين تركيا من جهة، وقد وصلت هذه اللقاءات إلى مرحلة لم يعد بالإمكان اخفاءها الأمر الذي أدى بالرئيس التركي إلى التصريح به صراحة، ومن جهة أخرى صرح السيد مظلوم عبدي القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية في رده على أسئلة وسائل الإعلام بحدوث اتصالات غير مباشرة بينهم وبين الدولة التركية، ورغم أننا لا نعرف طبيعة هذه الاتصالات وفحواها إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن تركيا سمحت لمحاميي القائد عبد الله أوجلان بزيارته في إيمرالي، وكانت هناك رسائل مختلفة للسيد أوجلان عبر محامييه، كما سمحت تركيا بزيارة عائلة أوجلان إليه، ويعتقد أن هناك علاقة واضحة بين الأمرين، أي بين الإعلان عن إجراء اتصالات غير مباشرة بين قوات سوريا الديمقراطية والدولة التركية، وزيارة السيد أوجلان.
من جهة أخرى يبدو أن هناك محادثات أمريكية – تركية بالرغم من خلافاتهما العديدة تدور حول دورهما في سوريا، وتتركز هذه المحادثات التي يقودها من الجانب الأمريكي جيمس جيفري حول إمكانية إقامة منطقة آمنة بين تركيا من جهة وبين روج آفا من جهة أخرى، وفي هذا الإطار فإن الإدارة الذاتية الديمقراطية مصرة على عدم قبول أن تكون تلك المنطقة تحت إشراف القوات التركية أو أية قوات لا ترضى عنها الإدارة، وترى أن تتكون نقاط مراقبة بين الطرفين من قوات التحالف الدولي وعلى جانبي الحدود، ويبدو أيضاً أن المستقبل يحمل فترة هدوء بين تركيا وروج آفا – شمال وشرق سوريا.
لماذا خفت التصريحات التركية بالهجوم على شرق نهر الفرات؟ لا شك أن ذلك ليست منة من أردوغان أو من الدولة التركية، ومن الأسباب الحقيقية لذلك:
1- خسارة أردوغان وحزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية التي جرت في 31 آذار المنصرم، وصعود المعارضة والخلافات الناشبة في صفوف الحزب واحتمال انشقاقه وقيام بعض قياداته البارزة بتأسيس حزب أو أحزاب جديدة، وانفضاض الشعب عن قيادة أردوغان وحزبه، ويعلم أردوغان جيداً أن الكرد كانوا وراء خسارته.
2- تطورات الوضع في إدلب كما أسلفنا أعلاه.
3- الوضع الاقتصادي المتردي في تركيا والتضخم وانخفاض قيمة الليرة التركية وهروب الرساميل التركية والأجنبية من تركيا، ودخول الاقتصاد التركي مرحلة الركود.
4- تأكد أردوغان وحزبه من أن التحالف الدولي لن يسمح بالهجوم التركي على منطقة شرق نهر الفرات.