سنوات الحرب.. والحلول المأمولة - فتح الله حسيني

2019-05-16

مساع دولية وإقليمية كثيرة، ما زالت تعمق من حيثيات الأزمة السورية وتطيل من أمد فوضاها في جانب، ومن جانب آخر، هناك مساعي كثيرة لحل هذه الأزمة وفق خرائط جديدة ومنظومات جديدة أيضاً، دون أن يكون للنظام السوري، وقع صوت حقيقي وواقعي في لعب دوره في رسم معطيات هذا الحل المفضي إلى التسوية بكل تجلياتها.
في الأفق المنظور، ومن دون مواربة كانت وما تزال لإدارة روجآفا وشمال وشرق سوريا السبق في رسم الحلول وتقديم المشاريع المفضية إلى التسوية الداخلية السلمية، بعد فشل كل رهانات ومراهنات الخارج، ذاك الخارج الذي لم يتقرب من فواجع الأزمة السورية من باب الحل الأساس، بل من أجل تمديد عمر الأزمة وتعميقها أكثر فأكثر، حيث لم تكن في يدها أية بدائل للحل، وفقدان البديل يؤدي بكل تأكيد إلى فقدان التسوية المأمولة.
سنوات طويلة مرت، وخراب كثير حل، وفوضى وهجران ومعارك متشعبة، هذه صورة سوريا الراهنة، وسوريا بعمومها ما زالت على أتون حروب ومعارك كثيرة محتلمة، خاصة في ظل التصعيد العالمي إيذاناً بإشعال فتيل "الحرب العالمية الثالثة" بعد مقدمات ومداخل كثيرة، وبعد تأجيج الصراع الأمريكي – الإيراني الذي بات قاب قوسين أو أدنى في نسوب النزاع الدموي، مما يشي بحقيقة واحدة في أن المنطقة برمتها مقبلة على مرحلة صراع أكثر من مرير بعد كل تلك الصراعات الطائفية والمذهبية التي أطالت وعمقت من عمر الأزمات في الشرق الأوسط وأهمها المشروع العسكري في سوريا الذي أفضى إلى جوانب مختلفة وأوجه كثيرة من الاختلاف الدموي القسري.
بات واضحاً للعيان، ولكل مرتقب أن الصراع السوري ما زال على أشده، في ظل غياب الحل، وفي ظل غياب مبادرة واضحة ومسؤولة من لدن النظام المتعند في دمشق، ورهانه التام على سياسات الدب الروسي في أبهى حالاته، وفي التصالح والتفاوض وبمسؤولية وطنية مع ما تبقى من بهاء الجغرافيات السورية وأهمها جغرافيا روجآفا وشمال وشرق سوريا.
مبدئياً، البلاد في حالة فوضى في ظل الاحتلالات الموجودة على الأراضي السروية، وأخطر تلك الاحتلالات هو الاحتلال التركي المقيت لجغرافيات من أراض البلاد، وأهمها عفرين، الباب، جرابلس وإعزاز، وخاصة بعد الظفر الكردي على الإرهاب وإنهاء داعش ميدانياً في آخر معارك الباغوز، وربما نظل حيال مراحل مقبلة تتطلب أكثر حيطة وحذراً في ظل الفكر الإرهابي والآيديولوجيا الداعشية المتفيشة في بعض أراض ومدن مختلفة من سوريا في ظل الرعاية التركية المعلنة للإرهاب في سوريا ومخرجات المؤتمرات التي تتسيدها تركيا دون مواربة.
إذا بحثنا عن مخرج أساس للأزمة بعد كل تلك الخسارة فإننا سنكون حيال مسؤوليات وطنية وقومية كثيرة، ولا بد من وضع خرائط عاجلة وناجعة للحل، بدلاً من الاستناد إلى ضرورات تأجيج الصراع والتهديدات التي أودت بالبلاد إلى ما هي عليه الآن، بعد مآسي ماسميت بالثورة السورية "المباركة"، في فهم واضح وجلي ما للدول الإقليمية من دور سلبي وفاضح في تأجيج الصراع الطائفي وفتح الأبواب على مصاريعها للنشوءات والتأسيسات الجديدة لتكون أطر راديكالية دون غيرها.
المرحلة تتطلب التقرب بمسؤولية تامة من الحوار الجاد والواعي المفضي، عموماً، إلى الحل الكلي والتام، دون الحلول المؤقتة أو المنقوضة، حيث ما زالت التهديدات التركية قائمة والتحشدات العسكرية التركية سارية على قدم وساق، وبشكل فظ، والنظام السوري ما زال، كعادته، يغني في واد آخر، حاناً إلى مرحلة ما قبل اندلاع فتيل الأزمة في العام 2011، وما زالت العقول الشوفينية تنظر إلى الكرد كحامل لمشروع مخالف لما هو قائم لدى العربي، وفي أبهى فطنته ينظر إلى المشروع الكردي على أنه مشروع مرفوض جملة وتفصيلاً فقط لأنه مشروع يقدمه الكردي رغم أنه يخدم البلاد والعباد دون النظر إلى قوميته ولغته وشكله وحتى نواياه.
نحن حيال واقع معقد، يتطلب من الجميع النظر إلى الخريطة الجديدة المقبلة على أنها الخريطة المخلصة والمنقذة للبلاد من الهلاك الحتمي، وعلى الجميع رسم نقاط علامهم فيها بروح وطنية خالصة، لأن الحل الأمثل يتطلب من الجميع تقديم المبادرات لا الرهان على قتل مبادرات الآخرين.
لننتظر ولنرى ما تفضي به الأيام المقبلة، في واقع معقد وأحقاد داخلية قائمة وتهديدات خارجية لم تتوقف أصلاً.