افتتاحية العدد (413) - جريدة طريق الشعب: تطورات الوضع السوري

2019-05-16

-1-
بعد اجتماعات أستانا، واتفاق سوتشي الذي كان يقضي بخفض التصعيد في محافظة إدلب، وإقامة منطقة عازلة فيها بعمق /20/كم مقابل قيام تركيا بوضع حد لجبهة النصرة وما شابهها من فصائل متطرفة، وعزلها عن باقي الفصائل التي تسمى بالمعتدلة، بل إنهاء جبهة النصرة وتوابعها، قامت تركيا بإرسال قوات كبيرة إلى محافظة إدلب وشمال حماة وحلب ومناطق في محافظة اللاذقية تحت مسمى إنشاء نقاط عسكرية تركية لتشكيل المنطقة العازلة وتحقيق الأهداف التي تم الاتفاق عليها في سوتشي.
ولكن وعلى الأرض كانت قوافل القوات التركية تتحرك في تلك المناطق بحراسة قوات جبهة النصرة، وبدلاً من تشكيل منطقة عازلة سيطرت جبهة النصرة على معظم محافظة إدلب، وأزاحت القوات الأخرى بما في ذلك ما يسمى بقوات الجيش الوطني والتي تشكلت برعاية تركيا من اتحاد عدد من الفصائل العائدة للمعتدلين، وعلى الأرض أيضاً ومن الناحية العملية لم تقم تركيا بتنفيذ اتفاق سوتشي، مما حدا بالقيادة الروسية الإعلان وعلى أعلى المستويات بأن تركيا لم تنفذ اتفاق سوتشي الأمر الذي أدى إلى نشوب نوع من الخلاف بين روسيا وتركيا وفشل مؤتمر أستانا الأخير في العاصمة الكازاخية.
في تلك الفترة كان النظام السوري يقوم بقصف مواقع جبهة النصرة والمعارضة المسلحة في محافظة إدلب ولكن على نطاق ضيق، غير أنه شيئاً فشيئاً توسعت أعمال القصف والاشتباكات بين الطرفين مما كان يؤدي إلى خسائر بشرية في صفوف الطرفين بمن في ذلك المدنيين.
لقد توصلت روسيا إلى قناعة تامة بأن تركيا لن تقوم بتنفيذ اتفاقية سوتشي، ولذلك أعلن النظام عن هجومه الشامل على محافظة إدلب ومناطق تواجد جبهة النصرة والمعارضة المسلحة في محافظات حماة وحلب واللاذقية بموافقة روسية، ودخلت روسيا على الخط مباشرة في قيامها بالهجوم ليس فقط عن طريق القصف بالطائرات وإنما عن طريق القوات البرية أيضاً في نفس الوقت الذي انهالت فيه قذائف جبهة النصرة على قاعدة حميميم الروسية، نعم لقد بدأ الهجوم الروسي مع هجوم قوات النظام والقوات الحليفة له من الإيرانية وحزب الله وغيرها من الميليشيات.
-2-
يجري كل ذلك في ظل صمت تركي مريب، فلا مواقف ولا تصاريح من قياداتها، وحتى أنها تمتنع عن الإشارة إلى المدنيين والمهجرين، تلك المسألة التي كانت تعتبر لعبة أردوغان المحببة لتخويف أوروبا من المهاجرين، وفي نفس الوقت يجري تأكيد روسي بأن روسيا تشارك في الحرب هناك بالاتفاق مع تركيا، وهكذا نستطيع أن نقول إن معركة إدلب التي جرى الحديث عنها مطولاً قد بدأت بالفعل، وإن مرحلة جديدة قد بدأت في سوريا.
وإزاء ما يجري فإننا نشهد بداية تململ دولي تظهره أوروبا والولايات المتحدة والأمم المتحدة بحجة ضرورة حماية المدنيين، وأن لا حل سوى الحل السلمي الذي يبدو أن أوان قدومه لم يحن بعد، ومن المرجح أن تظهر مواقف دولية أقوى، ويتطور الوضع باتجاه ضغوط على روسيا والنظام، إلا إذا كان الوضع على الشاكلة التي شرحها المبعوث الأمريكي إلى سوريا السيد جيمس جيفري بأن الروس أبلغوهم بأن المعركة ستكون محدودة، وأن غايتهم إبعاد قذائف جبهة النصرة عن قاعدة حميميم.
تركيا تعيش وضعاً معقداً، بل أنها في ورطة، فهي لا تستطيع مواجهة الروس في الظروف الدولية الجديدة حيث تعاني من عزلة دولية واسعة، وخلافات كبيرة مع الولايات المتحدة وأوروبا وحلف الناتو خاصة بعد صفقة صواريخ /S400/ الروسية، ومن جهة أخرى إذا حقق الروس والنظام النصر في هذه المعركة لخسرت تركيا كل أوراقها في سوريا، وهي من جهة أخرى لا تريد الدفاع عن جبهة النصرة على المكشوف، وكل ذلك في ظل وضع داخلي متوتر خاصة بعد نتائج الانتخابات المحلية في /31/ آذار المنصرم.
في كل الأحوال لم تحقق القوات الروسية وقوات النظام المهاجمة انتصارات تهدد وجود تلك الفصائل لأنها بأعداد كبيرة وتسليح جيد، ومن المتوقع أن تقاوم لمدة طويلة، وفي هذا الظرف قد يتطور الوضع الدولي أكثر، وحينها من الممكن أن تخرج تركيا عن صمتها لتتوسع رقعة القتال أكثر ولتتدخل دول أخرى بشكل مباشر أو غير مباشر لأن الأزمة السورية قد دوّلت منذ زمن طويل، ولأن جميع الدول المتدخلة تبحث الآن عن حصتها من الكعكة السورية، ومن بينها تركيا التي لا يمكنها أن تخفي رغبتها الحقيقية في احتلال مناطق من سوريا، وبخاصة الشمال السوري.
وفي هذه المرحلة ستدخل قضية تحرير عفرين إلى الساحة بقوة، وكذلك تحرير إعزاز والباب وجرابلس، وفي هذه الحالة فإن الإدارة الذاتية الديمقراطية، ووحدات حماية الشعب والمرأة، وقوات سوريا الديمقراطية وغيرها مثل جيش الثوار والمجلس العسكري في منبج يجب أن تستعد لهذه المعركة جيداً.
-3-
لأن عفرين احتلت من قبل الفاشية التركية ومرتزقتها بمؤامرة دولية لا أخلاقية، فإن تحريرها أيضاً يستدعي خلق مناخ جيوسياسي دولي مناسب، وإذا كانت الكلمة الرئيسية في تحرير عفرين ستكون لوحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية فإن ذلك يتطلب العمل جيداً على الصعيد الدبلوماسي والعلاقات الدولية، والواقع يدل على إمكانية خلق هذا الجو الدولي، وبخاصة أن جبهة النصرة ليست القوة الإرهابية الوحيدة، فالذين شاركوا تركيا في احتلال عفرين هم أيضاً إرهابيون مثلهم مثل جبهة النصرة، وتأتمر بالأوامر التركية، بل هم مرتزقة تركيا وجماعة الإخوان المسلمين وأدواتها في احتلال الأرض السورية.
تركيا تريد احتلال أجزاء من الأرض السورية ولا تنوي الخروج من سوريا لا عسكرياً ولا سياسياً، وروسيا وقعت عقوداً مع النظام السوري لمدة /49/ عاماً، وإيران لن تقبل الخروج من سوريا إلا بالقوة، ولا يبدو أن الولايات المتحدة ومعها باقي دول التحالف الدولي ستخرج من سوريا خاصة في الظروف الجديدة من المواجهة مع إيران، والخليجيون موجودون في سوريا بأشكال مختلفة، وإسرائيل تراقب تطور الأحداث السورية عن كثب ولن تقبل بالوجود الإيراني على حدودها.
إنها جملة من المتناقضات والصراعات الدولية تحولت فيها الجغرافيا السورية إلى بؤرة تتصارع عليها جهات دولية وإقليمية عديدة في حالة أشبه ما يكون بالحرب العالمية الثالثة، وهي في الواقع حالة معقدة جداً وخطيرة تتأزم باستمرار ويتراجع فيها الحل السياسي إلى ذيل قوائم الحلول.
كل تلك القوى تراقب بدقة ما يجري الآن في إدلب، وتتخذ التدابير التي تمكنها من تحقيق أهدافها، خاصة وأن الأمر لا يتعلق بمحافظة إدلب وحدها، فالمحافظات الأربع إدلب – اللاذقية – حماة – حلب هي مسرح العمليات العسكرية الجارية الآن، وبمعنى من المعاني فإن ما يجري في إدلب لن يكون منفصلاً عن الوضع السوري العام، ولهذا السبب ولغيره من الأسباب والأهداف، كهدف تحرير عفرين، وحماية باقي مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية، فإن هذه الإدارة هي في صلب الأحداث الجارية واقعياً.
-4-
بناء على ما تقدم، ولكي تقف الإدارة الذاتية الديمقراطية على أرض صلبة تمكنها من الوقوف في وجه الدسائس والمؤامرات التي تحيكها الجهات المعادية، فيجب أن تستكمل برامجها السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، والتي يجب أن تركز على تعميق تجربتها الديمقراطية، ووحدة الصف الداخلي، وأن تعزز تحالفاتها المختلفة وتستعد لتحرير عفرين وجرابلس والباب وإعزاز، وأن نبذل الجهود الممكنة لتحسين المستوى المعيشي للجماهير الشعبية.