في الشأن السوري، رهانات التسوية السياسية بعد داعش - فتح الله حسيني

2019-04-18

وسط انشغال وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية بانتصار قوات سوريا الديمقراطية ميدانياً على آخر معاقل داعش في الباغوز، ظلت المتغيرات السياسية محلياً تراوح مكانها من حيث صفر مبادرات لحل المسألة السورية سلمياً وفق ما هو مأمول من لدن الشعوب السورية، خاصة وأن دول اقليمية وعالمية كثيرة ظلت تعاني من ارهاب داعش وصت ذهول ذلك العالم من انتصارات الكرد وشركائهم على تلك الخلية الارهابية الكبرى، لا سيما وان سوريا ككل عانت من ارهاب وفكر وآيديولوجيا داعش على مر سنوات كثيرة مريرة.
طبعاً، يعرف الغرب كل شيء عن المنطقة، عسكرياً وسياسياً، ولا ضير من ذلك، لكن فات عليهم، ربما، أن ربيبة داعش ما زالت موجودة وبقوة في الأراضي السورية بدءاً من جرابلس الى الباب فاعزاز فعفرين، وأكيد ستظل أعين قوات سوريا الديمقراطية على عفرين أولاً كأولولية، ولكن تظل الهواجس قائمة من هواجس الغرب ذاته في الاقرار بضرورة انهاء داعش ثم الارهاب برمته في الجغرافيا السورية.
تركيا وإيران، ظلتا مرشحتين أساسيتين لأداء أدوار إقليمية لملء الفراغ، وفق قناعاتهما، بترتيب أوضاع المنطقة، دون مراعاة مصالح الشعوب ذاتها، بعد تفاقم الصراعات الطائفية والمذهلية والاثنية، في ظل سقوط سورية "كدولة" تدريجاً من المعادلة الإقليمية.
ظلت أجندات تركيا وايران قائمة وفق اهتماماتهما القصوى في النظر الى المسألة السورية كمسألة طائفية دون مراعاة حقوق الشعب الكردي، لذا لجئت الدولتان الى الاعتماد الكلي على الميليشيات المفصلة وفق مقامها ومقاسها وفكرها ومصالحها الطائفية وعلى التنظيمات الإرهابية في كل من سورية والعراق، دون اعتبار التوافق الروسي – الأمريكي في هذا المضمار، كمبدأ في استكمال رسم ملامح الحل السياسي المؤجل كثيراً، وبات واضحاً للعيان أن مكانة تركيا وايران تزعزعت مع تقلبات الإدارتين الأميريكيتين السابقة والحالية وللادارة الروسية أيضاً، رغم التنازلات الكثيرة من جانب الدولتين الاقليميتين لصالح الدولتين القطبين، فلا مناص، ربما، من معاقبة تلك الدولتين بعد كل هذه الفوضى المصدرة من جابنهما على خرائط الجوار، وخاصة في التقلب والتوغل في المعادلة السورية المتقلبة أصلاً، وربما هذا ما سلطت عليه الصحافة العالمية في الفترة الأخيرة، من ضوء على دعم تركيا وايران لجماعات الإسلام السياسي، وأبرزها الإخوان المسلمين، لتؤكد أن إيران وتركيا غير قادرتين على الاستمرار في لعبة محاربة الإرهاب بيد ودعمه باليد الأخرى.
الصورة النمطية التي اعتاد الغرب عليه، وفق تصوره الموقت المقدم ألوانه من لدن تركيا وايران، في أن الكردي انفصالي وستظل اعين على الانفصالية مهما تمدد الوقت، وفي أن العلوي منضم الى سلك المخابرات ولا يهمه غير التشبيح والزعرنة، وأن السني هو بالضرورة من جماعة الاخوان المسلمين، في صور نمطية غير مؤهلة لواقع عانى عشرات المرارات من لدن سياسة الطائفية والمذهبية التي لعب عليها النظام السوري واالمعارضةالعربية السورية معاً في تشويه مقصود ومتعمد للصورة السورية المتعددة شعوباً ومكونات.
باتت في الجوار السوري خراءئط تتغير، خصوصاً بعد العقوبات الأمريكية الكثيرة على ايران وادراج الكثير من فصائلها العسكرية ضمن قائمة الارهاب والمطالبة بقاسم سليماني، والتهديدات المتكررة من الدبلوماسيين الأمريكيين على رؤوس أركان النظام الايراني، والتغيير الحاصل في السياسات الراهنة للدولة التركية، حيث ان الكثير من التناقضات بدأت تطفو على سطح الساحة السياسية بشكل خاص بعد انتهاء انتخابات البلديات التركية التي حجمت الدور السياسي لحكومة حزب العدالة والتنمية، ورجت من كفة المعارضة التي اتفقت مبدئياً في تسيير شؤون الانتخابات مع الجانب الكردي القوي أساساً في تركيا الا أن سياسات الطوارئ ولغة السجن ألحقت الضرر الكثير بشأن السياسة الكردية، ولكن استطاعت ان تحافظ على وزنها وثقلها رغم الابادة السياسية المطبقة بحقهم.
النظام في ظل هكذا معمعة، مطالب بتقديم مبادرات لا تهديدات للكرد بغية الوصول الى صيغ تواقفية تقلل من التوتر الحاصل راهناً، والتخلص من عقلية ما قبل مرحلة العام 2011 والتودد الى شركاء الجغرافيا الذي دحروا الارهاب وحافظوا على السلم الأهلي وسط ظغيان المعارك المذهبية والطائفية في مناطق أخرى من سوريا،، في صورة ربما تمكن الجانبين الرئيسيين من تقديم خريطة جديدة لتفضي الى التسوية السلمية سياسياً بعد أن راهن الكرد على الولايات المتحدة الامريكية والنظام على روسيا شريكاً أساسياً في السراء والضراء وفي الحرب والسلم.