افتتاحية العدد (412) - جريدة طريق الشعب: مرة أخرى.. ما بعد داعش

2019-04-18

-1-
بعد القضاء على داعش عسكرياً في جيبه الأخير في الباغوز، وإنهاء دولة الخلافة الإسلامية المزعومة دخلت روج آفاي كردستان وشمال وشرق سوريا مرحلة جديدة لها سماتها وخصوصياتها الجديدة على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى الصعيدين الداخلي والخارجي.
فعلى الصعيد الخارجي اكتسبت الإدارة الذاتية الديمقراطية مكانة جديدة وهامة كقوة ليست فقط عسكرية وإنما سياسية أيضاً، واكتسبت تعاطفاً خاصاً من قبل المجتمع الدولي، وقد انعكس ذلك في التصريحات والمواقف من قبل كبار المسؤولين في العديد من دول العالم، ولعل موضوع مشاركة الإدارة الذاتية في لجنة الدستور السوري الجديد كان في إطار هذه المكانة الجديدة.
وعلى الصعيد الداخلي تحولت الإدارة الذاتية إلى قوة رئيسية عسكرياً وسياسياً تسيطر على 35% من الأرض السورية وشريكاً لا بد منه في كل المحولات من أجل إيجاد أي حل للأزمة السورية.
وإضافة إلى كل ما ذكر فقد أصبحت الإدارة الذاتية تجربة ديمقراطية ونموذجاً لسوريا المستقبل لا بد أن تنعكس لدى أبناء الشعب السوري عامة، وأن تصبح نموذجاً يحتذى به في كافة أنحاء سوريا.
لا خلاف أن دولة الخلافة الإسلامية قد انتهت، وأن داعش قد انتهى عسكرياً في شمال وشرق سوريا، ولكن بقيت له خلايا نائمة بإمكانها القيام ببعض العمليات الانتحارية وببعض التفجيرات في بعض المناطق، إضافة إلى أن داعش كفكر لم يتم القضاء عليه نهائياً وهو موجود في بعض المناطق السورية وبعض دول العالم، وعلى ذلك فإن الإدارة الذاتية تقف الآن وجهاً لوجه أمام مهمة القضاء على الخلايا النائمة بكل جدية، ومحاربة الفكر الداعشي فكرياً وسياسياً عبر العديد من السياسات الثقافية والاجتماعية.
إن ما تحقق هو انتصار كبير وتاريخي ولا يستطيع أحد إنكاره، غير أن الأهم من هذا الانتصار هو الحفاظ على هذا الانتصار وعلى المكتسبات التي تحققت بكل قوة وتصميم، فإن هذه المرحلة الجديدة تستدعي جملة من السياسات والخطط والبرامج الجديدة التي تتناسب ومتطلبات المرحلة الجديدة، إضافة إلى الاستعداد العسكري وتعزيز وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية كماً ونوعاً، تدريباً وتسليحاً من أجل تحرير عفرين كهدف أول وتحرير إعزاز والباب وجرابلس أي منطقة الشهباء.
إن أولى المهام التي يجب التصدي لها بعد القضاء على خلايا داعش والاستعداد العسكري أمام أي عدوان تركي أو من أية جهة كانت هي:
1- وضع برنامج سياسي جديد يتناسب مع المرحلة الجديدة يركز على تحرير عفرين وعلى تعزيز وحدة كافة مكونات شمال وشرق سوريا من الكرد والعرب والسريان وباقي المكونات الأخرى، ووحدة الصف الكردي، وتعزيز التجربة الديمقراطية وتعميقها، وعقد التحالفات مع الجهات الصديقة، والدخول على خط حل الأزمة السورية كأحد الأطراف الرئيسة.
2- وضع برنامج اقتصادي جديد يتضمن تطوير كافة القطاعات الاقتصادية، وتحسين المستوى المعيشي للجماهير الشعبية، وتطوير القطاع الإنتاجي في إطار الإدارة الذاتية وصولاً إلى مرحلة تأمين الأمن الغذائي والاعتماد على الذات.
3- وضع برنامج جديد لتحسين مستوى الخدمات المقدمة للشعب، وبخاصة الكهرباء والماء والخبز وتحسين حالة الطرق ونظافة المدن، وتحسين قطاعي التعليم والصحة وغيرها.
4- في هذه المرحلة الجديدة تتعاظم أهمية العمل السياسي بكافة جوانبه، وتتعاظم أهمية العمل الدبلوماسي لأن المسألة السورية لها أبعادها الداخلية والإقليمية والدولية التي تقتضي ممارسة دبلوماسية نشطة في كافة الاتجاهات.
بتضافر مجموع البرامج ستتمكن الإدارة الذاتية من تعزيز العاملين الذاتي والموضوعي اللذين يضعان أساس حماية الانتصار وحماية المكتسبات المحققة، بل والولوج إلى انتصارات جديدة.
-2-
لا شك أن القوى المعادية، وفي مقدمتها تركيا غير مسرورة لهذا الانتصار الكبير على داعش ويؤلمها القضاء على دولة الخلافة الخرافية المزعومة التي يعرف العالم علاقتها الوثيقة مع تركيا والدعم الذي كانت تحصل عليه من تركيا أردوغان، ولن تستسلم تركيا بالتالي لانتصار الإدارة الذاتية الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية، وهي تصرح عن ذلك علانية، وتهدد بالهجوم على منطقة شرق نهر الفرات بالشراكة مع مرتزقته من ما يسمى بالجيش الحر وباقي القوى الإرهابية التي ترعاها، وهذا مصدر خطر حقيقي يجب التنبه إليه بشكل جدي وباستمرار، غير أن كافة الوقائع تشير إلى أن سياسة تركيا أردوغان تسير من فشل إلى فشل، وتصطدم توجهاتها العدوانية بالكثير من العقبات الكبيرة، فالخلاف بين تركيا والولايات المتحدة يتسع يوماً وراء يوم ليس فقط بشأن الموقف في سوريا، وإنما لأسباب هامة أخرى تتعلق بجملة المواقف التركية في مسائل عديدة، والقوات الأمريكية والغربية باقية في سوريا والمنطقة، ولن تتجرأ تركيا في ظل وجودها على الهجوم على منطقة شرق نهر الفرات، وحتى روسيا وإيران لا تقبلان أن تحتل تركيا جزءاً جديداً من الأراضي السورية، ويتطور الموقف العربي العام وبخاصة مصر والسعودية ومعظم دول الخليج أكثر تشدداً ووضوحاً من الدور الذي تلعبه تركيا، وهي لن توافق على قيامها باحتلال أراضي سوريا، والوضع الحالي المتكون في إدلب وشمال حلب وشمال حماة قد أصبح عبئاً كبيراً على تركيا التي لم تنفذ مضمون اتفاقيات أستانة وسوتشي، والخلاف بشأنها محتدم بين روسيا والنظام السوري من جهة وبين تركيا من جهة أخرى، والوضع في هذه المنطقة قد يتفجر في أية لحظة، وستكون تركيا في وضع لا يحسد عليه.
إن الظروف الدولية التي تتشكل في سوريا في هذه المرحلة تتقاطع مع مصلحة الإدارة الذاتية الديمقراطية وبخاصة أن إيران والنظام السوري لن يكون بمقدورهما ارتكاب أي خطأ بشن عدوان على مناطق الإدارة الذاتية، وعلى الإدارة الذاتية الديمقراطية أن تستثمر هذه اللحظات والظروف بشكل سليم وتحولها إلى مصدر قوة لها.
-3-
تركيا أردوغان بسياساتها العدائية ضد الشعب الكردي عموماً، ومواقفها العدوانية ضد روج آفا وشمال وشرق سوريا تمر الآن بحالة من الضعف الكبير بحيث أصبح موقع أردوغان وحزب العدالة والتنمية على المحك، فوضعها الداخلي يزداد توتراً، وتشتد القبضة الأمنية وتتلاشى الحريات الديمقراطية، وتستمر حملات الاعتقال ضد البرلمانيين ورؤساء البلديات المتتخبين وضباط الجيش والقضاة والمعلمين والإعلاميين، ويتردى الوضع الاقتصادي باستمرار، وتراجعت قيمة الليرة التركية مقابل الدولار إلى مستويات قياسية ويزداد التضخم والبطالة والغلاء، كما يتم تهريب الرساميل من تركيا، وبنتيجة كل ذلك يتراجع التأييد الشعبي لأردوغان وحزبه.
في الانتخابات المحلية في 31 آذار المنصرم فقد أردوغان بلديات استنبول وأنقرة وإزمير والعديد من البلديات الأخرى المهمة، وصعدت المعارضة، وكانت نتيجة هذه الانتخابات مؤشراً واضحاً على تراجع دور حزب العدالة والتنمية ورئيسه أردوغان وحزبه الذي سيعاني من انشقاقات في صفوفه حيث تشير المعلومات أن عدداً من قادة الحزب الذين أطاح بهم أردوغان يحضرون لإنشاء حزب جديد على حساب جسم حزب العدالة والتنمية.
لقد صعدت المعارضة في هذه الانتخابات، وحقق حزب الشعوب الديمقراطي HDP نتائج مهمة، وكان أهم تلك النتائج أنه وقف وراء خسارة حزب العدالة والتنمية.
أصبح العالم كله يدرك بأن حزب الشعوب الديمقراطي هو من وجه الضربة القاصمة إلى حزب العدالة والتنمية في المدن الكبيرة مثل استنبول وأنقرة وغيرهما من المدن الكبيرة من خلال عدم تقديم مرشحين له ودعمه لأحزاب المعارضة، ففي استنبول مثلاً حيث يقطنها حوالي /6/ مليون كردي وجههم HDP بالتصويت لحزب الشعب الجمهوري وكذلك في أنقرة وإزمير وغيرهما.
لقد قاد أردوغان بنفسه حملة حزب العدالة والتنمية الانتخابية، وجاب كل المدن والمناطق التركية حيث أعلن بأن هذه الانتخابات تشكل حالة وجود أو عدم وجود، كما أعلن بأن من يحكم استنبول يحكم تركيا، وها هو أردوغان يحقق خسارة فادحة بنتيجة عدم موافقة كل الشعوب في تركيا على سياسات أردوغان وحزب العدالة.
لن تقف خسارة أردوغان عند خسارته في هذه الانتخابات المحلية، بل ستتعداها إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة، وعليه يجب تشديد النضال وعدم القناعة بالنصر الحالي.
-4-
النظام السوري يتصرف بشكل غير مسؤول إزاء الإدارة الذاتية الديمقراطية بشكل خاص، وإزاء معظم القضايا الوطنية والديمقراطية السورية بشكل عام، فأثناء القضاء على داعش عسكرياً في جيبه الأخير في الباغوز، يخرج وزير دفاعه ليوزع التهديدات على قسد وعلى شمال وشرق سوريا بدلاً من إبداء ارتياحه عن النصر المحقق في الوقت الذي أعربت معظم دول العالم عن سرورها بهذه النتيجة، وليؤكد ممثل قسد بكل مسؤولية حرص هذه القوات على بقاء سوريا دولة متحدة واحترامها لحدود سوريا الدولية، ودعوة النظام إلى القبول بسوريا ديمقراطية لا مركزية والاعتراف بحقوق كافة المكونات السورية.
في نفس الوقت فإن النظام لا يقبل بحوار حقيقي، ولا يقدم أي حل للأزمة السورية سوى الحل الأمني والعسكري، ويطالب الغير بالتنازل عن كل شيء وكأن شيئاً لم يكن خلال /9/ سنوات من الحرب المدمرة في سوريا والتي أسغرت عن تهجير نصف الشعب السوري، وسقوط مئات آلاف الشهداء، ومئات آلاف المعتقلين وتدمير البنية التحتية للبلاد.
في مقابل ذلك لا ترفض الإدارة الحوار مع أية جهة سورية تهدف إلى إيجاد حل حقيقي للأزمة السورية وإقامة سوريا ديمقراطية لا مركزية، ويتم فيها تحقيق مطالب الشعب في الحرية والكرامة، وهي تعمل من أجل حوار سوري – سوري حقيقي، وقد جهزت من أجل ذلك رؤية متكاملة، ومنطلقاتها في ذلك تتعدى مناطق الإدارة إلى كامل الوطن السوري بكافة قضاياها بما في ذلك الجولان المحتل الذي سيبقى سورياً بالرغم من أية قرارات تصدرها أية دولة من دول العالم.
وترى الإدارة الذاتية ضرورة حضورها أي مؤتمر أو اجتماع يهدف إلى حل الأزمة السورية، أو أي عمل من أجل وضع دستور جديد للبلاد، وتؤكد بأنها لن تعترف بأي اتفاق أو حل لن تكون شريكاً فيه.