تيارات داخلية وخارجية تعترض نظام أردوغان - فتح الله حسيني

2019-03-16

لم يعد بمقدور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن يواجه كل تلك التيارات المعارضة في وسط تركيا وجنوبها وشمالها، ولم يعد بمقدوره التركيز على الكرد في روجآفا وشمال وشرق سوريا فحسب، ولم يعد بمقدر أركان نظامه إلا الإدلاء بتصريحات مخيفة ومحبطة في آن واحد، بدءاً من تهديداتهم التي لم تتوقف نحو روجآفا، وانتهاء بعواصم الدول المجاورة والعالم.
مواجهات ومفاجآت ساخنة تنتظر الحكومة التركية التي يتفرد بها حزب العدالة والتنمية، وربما تفضي إلى انشقاقات داخلية أولاً ومن ثم تتحول إلى مواجهات تفضي إلى سجن المعارضين له، أي أردوغان، وربما قريباً يصلح عبد الله غول وأحمد داوود أوغلو والموالين لهما في عداد السجناء مثلهم مثل الساسة الكرد صلاح الدين دميرتاش وفيغان يوكسيكداغ ومئات البرلمانيين والساسة الكرد في شمال كردستان.
لا شي مفاجئ إذاَ.. إنها سلطة الرجل الواحد، بعد أن زج بمئات الآلاف من معارضيه ومناوئيه في سجون تركيا الكثيرة والمبعثرة على مدن وجزر كثيرة أيضاً، بعد إضفاء صبغة الحكم الإسلامية الطافحة والواضحة وضوح الشمس.
علمانية أنقرة لم تعد تفيدها، بعدما أن دمرها رجب طيب أردوغان بتعويله على "الإخوان المسلمين" الذين باتوا يقودون علانية الرأي العام التركي، وبعد أن استولوا على الصحافة والإعلام، وأصبحوا في مواقع المسؤولية في مؤسسات الدولة والأمن والجيش الذي كان حامي العلمانية ذات يوم وذات مرحلة، في تخبط واضح نحو أسلمة تركيا وتغيير منحاها إلى منحى الحضيض بعد غليان بركان الكراهية بين الشعوب في عموم تركيا من آمد إلى أنقرة.
ربما لعبت الظروف العربية والدولية لمصلحة أردوغان في احتلال عفرين وبدأ التطهير العرقي في المنطقة، فهذا كان حلم أردوغان منذ أن توضحت ملامح الأزمة السورية، في أن ينصب حاكماً موالياً طيعاً له في سورية، وخاصة في المناطق الكردية بعد نجاحه في وضع القومين على بلديات شمال كردستان، ولم يترك "الدكتاتور" وسيلة إلا واستخدمها لتحقيق هذا الحلم، فقد سلح، وبدون سرية، عشرات آلاف المرتزقة من مختلف أنحاء العالم، وأمن لهم السلاح والمعدات ومعسكرات التدريب والخرائط، ونظم لهم مؤتمرات متفرقة ومقرفة في أنطاليا وإسطنبول وأنقرة، واستغل مسألة النازحين السوريين ليبتز الاتحاد الأوروبي بالمال الإنساني، مهدداً بفتح الحدود كي يتدفقوا إلى القارة القديمة المصابة بـ "الإسلاموفوبيا"، وربما نجح إلى حد ما في خططه ومراميه ولكنه رهان ونجاح مؤقت لا محال.
ما يستفز أركان النظام التركي هو سقوط آخر حلفائه في سوريا، وهم أرهابيو داعش، وربما ما يزيد من تعقيد الفكرة لدى أردوغان ترويج الإعلام الغربي قبل العربي والكردي لسقوط ما يسمى بدولة الخلافة على يد القوات الكردية وشركائهم في السلاح والجغرافيا، بما يعني أن "الخلافة" سقطت لكن شبح تنظيم الدولة الإسلامية لا يزال حياً بحسب ما عنونته "الفايننشال تايمز" في إشارة إلى شبح داعمي داعش وهو نفسه أردوغان، لتعي الدول الكبرى والخائفة في نفس الوقت من عودة داعش، بأن عناصر داعش انسحبوا لشن ضربات إرهابية أو نقل عملياتهم إلى بلدانهم الأصلية، وسكان باريس وبروكسل وبرلين ولندن ومانشستر وإسطنبول وأنقرة لا يحتاجون من يذكرهم بالفظائع التي ارتكبها داعش، وربما تنقلب المعادلة عليهم وليس في صالحهم.
في مضمار آخر، وإضبارة ساخنة أخرى، تواجه حكومة أردوغان خياراً صعباً بما أن واشنطن لا تسمح لها بالجمع بين المنظومة الأمريكية المضادة للصواريخ (باتريوت) ونظيرتها الروسية (إس-400) علاوة على عدم رضاها من الأساس على الصفقة، فيرى الأميركيون في النظام الروسي تهديداً مباشراً لطائراتهم في تلك المنطقة، أما حلف الشمال الأطلسي (الناتو فينظر إلى نظام الدفاع إس-400 الروسي على أنه لا يمكن دمجه في نظام الدفاع الجوي الخاص بالحلف الذي تعد تركيا ثاني قوة عسكرية فيه، وتقول واشنطن إن تركيا لا يمكنها حيازة أنظمة دفاع جوي روسية وأميركية متقدمة معاً، تُستخدم لاعتراض الطائرات والصواريخ، ليصبح أردوغان بين نارين مستعرتين منذ عقود طويلة نار واشنطن ونار موسكو، فأي النارين سيختار أردوغان، وكلتاهما حارقتين بشدة.
تركيا تتجه نحو الهاوية داخلياً وخارجياً، وهي الدولة التي أهلكت الشعوب السورية بتهديداتها ومخططاتها وفصائلها الإرهابية ومعسكراتها وسياساتها وإعلامها وكراهيتها، لذلك سقوط أردوغان ونهاية نظامه يعني عودة الاستقرار إلى سوريا، سوريا ككل، من جنوبها إلى شمالها وشمال شرقها، وإلى روجآفا القلب..