أماني.. زاوية يكتبها: أزهر أحمد - لن أكتب لمن لا يقرأ

2019-02-15

أستاذ, أستاذ, ألا تســــــمعني؟ توقف لديَ ما أقوله... انتظر أرجوك, لم يكن مني سوى التوقف, ومتابعة مصدر الصوت فإذا به والد الشهيد زانا وأنا أتأمل التجاعيد البارزة في وجهه لحظات تمردها لتفضح حقيقة ما يجول في خاطره.. فنبرة كلامه دلالة على أنه مازال محتفظاَ بقوته, وكالعادة جالس على كرسيه الخشبي الذي لا يفارقه, فسبق وأن سرد لي قصتها وهو يتباهى بكراسيه الخشبية الصغيرة الأربعة ومنضدته المزخرفة بفسيفساء قل نظيره.
تابع قائلاَ: اجلس لديَ ما أقوله, استغربت لطريقة كلامه هذه المرة, هو غاضب هذه المرة, فأنا أعرفه بهدوء أعصابه ورزانته وحكمته, وثقافته وبراعته السابقة في مجال البناء، فهو مساعد فني ترك العمل لدى النظام منذ أن بدأت ثورة روج آفا. وكان قد تأثر كثيراً باستشهاد ولده زانا حســكة.. فقلت له تفضل يا أبا زانا كلي آذان صاغية. فتابع قوله: لماذا تتكلمون ولا تسمعون؟ حان الوقت أن يسمع البعض منكم, لماذا الكراسي غيرتكم؟ لماذا ازداد تكتلات المستفيدين, سباق المتسلقين, طوابير المتكبرين؟ لماذا تغيرت طباع البعض منا؟ لماذا من كان يكرهنا بات في يده قدرنا؟ لماذا ازداد مرض تقديس الكرسي؟ لماذا باتت هناك طبقات؟ لماذا الحشود تتناقص في المراسيم ويكثر الساهون في المطاعم والأعراس؟ لماذا عند لحظات الحقيقة الأفواه خرساء والآذان صماء؟ وترتفع القهقهات لحظة ارتفاع صراخ الجرحى؟
رغم أنني كنت في عجلة من أمري إلا أن حقيقة بعض عباراته وهيجانه وتوتره دعاني للجلوس ولسماع ماذا يريد أبو زانا.. فتناولت أحد الكراسي الخشبية الصغير وجلست أسمعه.
بعد أن تأملت كلامه ملياً استطعت أن أهدئ من روعه.. تابع القول أتتذكر الشهيد زانا ماذا كان يقول: قلت له بالله عليك أن تذكرني, كان يقول: من يريد أن يكون حراً يجب أن يعمل لأجل مجتمع حر, المركز هو خدمة وليست سلطة وكلما كبرت الديمقراطية ضعفت السلطة, ألم تتذكر عندما كان يحلل في المصطلحات الإيديولوجية، ويقول هكذا كان يقول الفيلسوف آبو، وهكذا كان يقول رستم جودي, ألا تتذكر يا أستاذ عندما كنا نناقشه ونتشاءم بعض الأيام وفي بعض المواقف, ألم يكن يبث فينا روح المقاومة ويقول: اعملوا بروح مقاومة هفال مظلوم دوغان ولا تيأسوا.. قد تقاومون الأعداء وقد تقاومون غرائزكم وفي بعض الأحيان أجسادكم هي أعداؤكم.. مقاومة الداخل أقوى من مقاومة الخارج.. ألم يكن يقول يا أستاذ اذهبوا واطرقوا الأبواب واطلبوا حقوقكم.. فمجرد سكوتكم هو انتصار للمتسلقين.
هل تدري لماذا ذهبت إلى مؤسسة من مؤسساتنا وقلت لهم أرغب في مزاولة عملي؟ كنت سابقاً مساعد فني، ولدي الخبرة الكافية.. استفيدوا من خبرتي، ولكي أتخلص أيضاً من وحدتي والأفكار التي تراودني بعد استشهاد ولدي, أرغب بالعمل بمقابل أو دون مقابل.. أتدري ماذا كان الجواب يا أستاذ؟ من شخص كنت أعرفه الهارب في بداية الثورة خارج روج آفا والعائد بعد الاستقرار وهو يتفتل بكرسيه ويتباهى بسيجارته, وهو يقرأ طلبي دون اكتراث: "أنت كبير السن". استغربت لهذا الجواب يا أستاذ, فأنا أعرف بأن أخلاقنا ليست كذلك والمجتمع الذي نطمح إليه هو أن يحارب مفهوم السلطة.. وتذكرت بأن زانا كان يقول: "القانون وضعته السلطات، والأخلاق وضعها المجتمعات، وهناك صراع دائم بين القانون والأخلاق". وأنا أتمعن ذاك الإداري الفاشل, عدت أدراجي خائباً محطم المعنويات مكسور الخاطر. وتابع القول يا أستاذ لن أكتب لمن لا يقرأ... نعم عاهدت نفسي أنني لن أكتب لمن لا يقرأ.
تأملت كلامه حقيقة , تأثرت كثيراً رغم محاولتي التخفيف عنه ولكن لم يكن مني سوى تهدئته وإعطائه بعض الأمل، وبأن هؤلاء الأشخاص لا يمثلون سوى أنفسهم، فهم لا يمثلون ثورتنا، وأنت والد شهيد يجب أن يستمد منك الجميع القوة والأمل.. وأقول عبارة تعودنا عليها سيتصلح كل شيء وسيتحاسب المتسلقون.. هز العم أبو زانا رأسه وابتسم بشوق: وهذه أمنيتي وأمنية الشهيد زانا.