افتتاحية العدد (410) - جريدة طريق الشعب: ماذا بعد تطهير شرق نهر الفرات من داعش؟

2019-02-15

ماذا بعد تطهير شرق نهر الفرات من داعش؟
عندما يصبح هذا العدد من الجريدة في أيدي القراء، يتوقع أن تكون قوات سوريا الديمقراطية قد حررت الجيب الأخير في بلدة الباغوز شرقي دير الزور، وبذلك يكون قد تم القضاء على الوجود العسكري لداعش في شمال وشرق نهر الفرات.
ويعني هذا منطقياً أن تتفرغ الإدارة الذاتية في روج آفا وشمال وشرق سوريا للبناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأن يستثمر هذا الإنجاز الكبير في إيجاد حل للأزمة السورية، وبناء سوريا الديمقراطية التعددية اللامركزية، ولكن ذلك لا يبدو بالسهولة التي يعتقدها البعض، فهناك العديد من التحديات التي يجب التغلب عليها قبل أن يتحقق حلم السوريين بإعادة الأمن والاستقرار إلى البلاد، وفي مقدمة هذه التحديات تأتي التهديدات التركية الصريحة بالهجوم على منبج ومنطقة شرق نهر الفرات، وهناك منطقة إدلب التي هي في الواقع تحت السيطرة التركية وتحت سيطرة مرتزقتها من جبهة النصرة وغيرها، وكذلك غرب حلب وشمال حماة، والاحتلال التركي لمناطق جرابلس والباب وإعزاز وعفرين في الشمال السوري، وهناك بعد كل ذلك النظام السوري الذي يرفض أي حل باتجاه دمقرطة سوريا شعوراً منه بالقوة التي يظنها بعد إعادة سيطرته على مناطق واسعة من الأرض السورية بمساعدة روسيا وإيران وحزب الله وغيرها، ثم هناك أيضاً التدخل التركي والإيراني الذي يعتبر العامل الرئيسي في تأجيج الصراع وفقاً لأطماعهما، يضاف إلى كل ذلك العامل الدولي الذي لم يكن حيادياً في يوم من الأيام، وهناك أيضاً الوجود الروسي ووجود التحالف الدولي.
في نفس الوقت الذي يتلقى فيه داعش الضربات القاضية الأخيرة يتأزم الوضع في إدلب، ويزداد فيه الخلاف الروسي – التركي إلى درجة تذهب فيه الأمور باتجاه بدء الهجوم الروسي – الإيراني – النظام السوري على إدلب التي تسيطر جبهة النصرة على 75% منها في ظل وجود القوات التركية فيها، الأمر الذي يطرح سؤالاً مهماً هو أين ستقف تركيا في هذه الحرب؟
الأمور ستكون بعد القضاء على داعش شمال وشرق سوريا على النحو التالي:
1- قد تنسحب الولايات المتحدة عسكرياً من سوريا، وتبقى فيها أطراف التحالف الدولي مثل فرنسا وبريطانيا وغيرها، ووفقاً لتصريحات كبار المسؤولين الأمريكيين فإنها لن تسمح لأية جهة باستهداف قوات سوريا الديمقراطية، وتستطيع الولايات المتحدة ذلك إن أرادت من عدة أماكن سواء من البحر المتوسط أو الخليج أو حاملات الطائرات الأمريكية المنتشرة في ذلك، وبذلك يكون انسحابها افتراضياً، يضاف إلى ذلك القوة الكبيرة لقوات سوريا الديمقراطية وروح المقاومة لدى الشعب.
2- تركيا لن تقف مكتوفة الأيدي، وهي ستعمل ما تستطيع، بما في ذلك التدخل العسكري في منطقة شرق نهر الفرات، ولكن هناك عوامل تكبحها من أهمها موقف التحالف الدولي، كما أنها لم ولن تتلق الضوء الأخضر من روسيا، وبالطبع فإن لإيران والنظام السوري وجودهما في هذا المجال، ولا بد أن تركيا تحسب الحساب اللازم لقوات سوريا الديمقراطية وهي لم تهضم بعد احتلال مناطق عفرين وإعزاز والباب وجرابلس، ومن جهة أخرى لا بد أن تحسب لوضعها الداخلي المأزوم اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.
3- كانت روسيا ولاتزال من أهم اللاعبين في سوريا، وأهدافها معروفة، ومن أهمها حماية النظام السوري، ووحدة الأراضي السورية كما تدعي، ومن المتوقع أن يزداد دورها في المستقبل وبخاصة بعد الانسحاب المفترض للقوات الأمريكية من سوريا، وفي هذه الحالة ستزداد أعباؤها بالنظر إلى الكم الهائل من المسائل المطروحة على الساحة السورية بما في ذلك الوجود الإيراني والتركي، حيث ستجد روسيا نفسها وجهاً لوجه أمام مسألة إخراجهما من سوريا، إضافة إلى الرؤية الروسية الخاصة للحل في سوريا والتي لا تتفق بالضرورة مع رؤية النظام نفسه، وبخاصة مسألة الحكم اللامركزي.
4- إيران لا تجد نفسها ملزمة بالخروج من سوريا، خاصة وأنها القوة الوحيدة على الأرض التي قامت بحماية النظام، ولها مشروعها الخاص الذي يمتد من إيران ومروراً بالعراق وسوريا إلى لبنان، وبالرغم من الموقف الأمريكي والإسرائيلي فإنها قد تجد نفسها مختلفة مع روسيا، ولكنها لن تغادر سوريا عسكرياً لأن ذلك يعتبر موت مشروعها الذي عملت من أجله لمدة أكثر من عقدين من الزمن.
5- قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية الديمقراطية، وتكون بعد قضائها على داعش شمال نهر الفرات قد أنجزت مهمة كبيرة تعجز عنها الكثير من الدول، وتحولت إلى قوة سياسية وعسكرية كبيرة في سوريا سيكون لها وزنها في أي حل للأزمة السورية، ولكن ستبقى أمامها مهام كبيرة أخرى من أهمها مواجهة التهديدات التركية، وتحرير عفرين وباقي المناطق من الاحتلال التركي ومرتزقته.
إذا كانت هذه هي الخارطة السياسية والعسكرية في سوريا، فإن المهمة الرئيسية التي تنتصب أمام الإدارة الذاتية الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية هي تعزيز العامل الذاتي والعامل الموضوعي أمام جميع التحديات وبخاصة التهديدات التركية وبخاصة:
1- التحضير الجيد للمقاومة العسكرية، وتعبئة كل الطاقات من أجلها.
2- وحدة الصف الكردي – الكردي، ووحدة صف كافة مكونات شمال وشرق سوريا.
3- تحسين المستوى المعيشي للشعب وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للشعب.
4- خوض نشاط دبلوماسي واسع يشمل جميع الدول ذات العلاقة والتأثير على مجريات الصراع في سوريا مثل فرنسا التي تصر على عدم سحب قواتها من سوريا وعلى دعم قوات سوريا الديمقراطية، وبريطانيا وألمانيا، وهي دول تستطيع التأثير على مواقف الولايات المتحدة وعلى الموقف، ومع روسيا وبعض الدول العربية مثل مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن.
إن الانتصار المدوي الذي حققته قوات سوريا الديمقراطية، والإدارة الذاتية الديمقراطية على داعش بإخراجه من آخر جيب في بلدة الباغوز هو انتصار تاريخي لا يقدر بثمن، وستكون له انعكاسات هامة على المستوى الداخلي والإقليمي والدولي، وعلى ذلك فإن الإدارة الذاتية يجب أن تستثمر في هذه الأبعاد الثلاثة بقوة.
فعلى المستوى الدولي يسمح هذا الانتصار للإدارة الذاتية الديمقراطية ولقوات سوريا الديمقراطية بإقامة علاقات قائمة على الاحترام مع العديد من دول العالم الكبيرة والمهمة، ولا بد من التأكيد على هذا العامل الحيوي، وللنجاح في ذلك يجب ممارسة دبلوماسية نشطة لا تقتصر فقط على شمال وشرق سوريا، وإنما يجب أن تشمل إيجاد حل ديمقراطي للأزمة السورية عامة، وكمثال على ذلك فقد استطاعت دبلوماسية الإدارة الذاتية تحقيق تقدم في الموقف الروسي الذي ضغط في اتجاه فرض بعض المواقف على النظام السوري تجاه الإدارة الذاتية.
وعلى غرار الاستفادة من البعد الدولي يمكن الاستفادة من البعدين الإقليمي والمحلي، وللدلالة على ذلك فقد ظهرت بعض المؤشرات عندما أعلنت دول خليجية منها السعودية والإمارات العربية المتحدة عن تعاطفها مع قوات سوريا الديمقراطية، ولا بد من خوض نشاط دبلوماسي نشيط مع هذه الدول لما لها من تأثيرات على مجريات تطور الأوضاع في سوريا وتطورات الأوضاع الدولية.
إننا إذ نؤكد على الأبعاد الدولية والإقليمية والمحلية فلأن دحر داعش والتضحيات التي قدمت من أجل ذلك كان نيابة عن الإنسانية جمعاء، وبالتالي فإن الإنسانية مدينة لقوات سوريا الديمقراطية وللإدارة الذاتية لقاء تضحياتها وانتصاراتها.
وأما بالنسبة لمرتزقة ما يسمى بالجيش الحر، فمنذ أن باعت تركيا مدينة حلب بمن فيها من المرتزقة، فقد بدأ دورها بالتراجع إلى أن أصبحت في هذه الأيام قوة هامشية، وأصبحت تبعيتها كاملة للدولة التركية التي أصبحت تستخدمها لمصالحها ولسياساتها مثل ما جرى في عفرين وقبلها في الباب وإعزاز وجرابلس، ولم يعد بالإمكان تسميتها بالجيش الحر، ولا اعتبارها قوة وطنية، والدور القذر الذي تقوم به في عفرين يؤكد ما نذهب إليه.
إن التهديدات التركية بالهجوم على مناطق شرق نهر الفرات، والذي اصطدم كما يبدو بالموقفين الأمريكي والروسي، ومن ثم مطالبتها بإقامة منطقة آمنة والذي كان دعوة صريحة لاحتلال موصوف بكل أركانه والذي يبدو أيضاً أنه قد فشل تحول اليوم إلى مطالبتها بتنفيذ اتفاقية أضنة الأمنية الموقعة بين كل من تركيا وسوريا في عام 1998م هو دليل على أن تركيا لم تتخل عن سياستها العدوانية ضد روج آفا وشمال وشرق سوريا، ولكن تنفيذ بنود هذه الاتفاقية لا تقل خطورة عن كل المشاريع التركية العدوانية، وهو أمر يجب مقاومته بنفس الإصرار الذي تم ويتم فيه الوقوف ضد أي هجوم على شرق نهر الفرات وضد المنطقة الآمنة بالمفهوم الذي تدعو إليه تركيا.
وبالضد من المواقف التركية العدوانية، فإن الانتصار النهائي لقوات سوريا الديمقراطية على داعش يفتح المجال واسعاً بالاستعداد لتحرير عفرين الذي يعتبر الهدف الأول للشعب الكردي ولشعوب شمال وشرق سوريا، وبعد ذلك تحرير إعزاز والباب وجرابلس وكامل الشمال السوري من الاحتلال التركي، وستفتح معركة إدلب القادمة المجال واسعاً لتحقيق هذه الأهداف.