في شأن روجآفا: تركيا من مأزق إلى مأزق - فتح الله حسيني

2019-01-21

تثير التحركات السياسية والدبلوماسية التركية الماكوكية الشكوك المختلفة حول نوايا هذه الدولة السيئة حيال الجغرافيا السورية برمتها، خاصة بعد استمرار تهديداتها للكرد وشركائهم في روجآفا وشرق الفرات، وما يعزز تلك الشكوك المواقف المتسارعة والمتغيرة من لدن الإدارة الأمريكية وفق الأحداث المتسارعة التي تعيشها المنطقة عامة، ومن باب البروباغندا الفاقعة يسعى أركان النظام التركي اللجوء إلى التهديد والوعيد بدلاً من التصريحات السياسية والدبلوماسية، حتى أصبحت سياسات تركيا الداخلية والخارجية على المحك فيما يخض القضايا الكبرى "قضايا الشعوب" خارجياً وقضايا الديمقراطية "للشعوب" داخلياً.
داخلياً، فإن الاعتقالات العشوائية للشخصيات المعارضة ومدة طويلة باتت من الأمور الطبيعية في تركيا، كما أن الإضرابات الكبرى أضحت سمة يومية في سلسلة مدن تركيا جنوباً وشمالاً، ناهيكم عن التصريحات الناجمة عن الوعود التركية في التخلص من الأزمة ولكنها أي "الدولة" ككيان، وككل باتت محط أنظار أزمات كبرى ستلاحق البلاد لعقود طويلة، وربما، طويلة جداً، نظراً للخسارات التي منيت بها تركيا خارجياً، وأثرت سلباً على وضع الداخل التركي ونفسية المواطنين "التركي" الذي بات همه الأول والأخير الاستقرار اقتصادياً دون الاستناد إلى حماقات أردوغان، ولكن كل ذلك ذهب هباء منثوراً وفق أهواء ونزوات رجب طيب أردوغان وأنخاب حكمه المطواعين لسياساته التي أدت بالبلاد إلى التخبط واللعب كثير على ورقة اللاجئين الذي أضحت، راهناً، ورقة محروقة ربما، بعد أن تدفق عشرات الآلاف من أولئك اللاجئين من تخوم بحار تركيا إلى تخوم وحدود الدول الأوروبية، وباتت التفجيرات والقلاقل تعم أوربا وقلب أوروبا معاً، مراهنة من تركيا على استفزاز أوروبا بدلاً من أن تكون، تركيا ذاتها، بوابة آمنة.
في سياق التسابق الانتخابي، ربما المتقلب، حذر دولت بهجالي رئيس حزب الحركة القومية وحليف الحزب الحاكم بالانتخابات، من القبول بمخطط "المنطقة الآمنة" في شمال سوريا إذا لم تكن تحت إدارة تركيا بالكامل، في إشارة إلى إن لم تكن لي فلن تلد تلك المنطقة، التي يرفضها الكرد إن كانت لتركيا أية دور فيها إنشائها، مع العلم أن كل الشعارات الرنانة أثبتت فشلها منذ بداية العام 2011 وإلى الآن، في تورط سافر من تركيا في الشأن السوري كمراهنة خاسرة لا أكثر.
وربما هذا أدى إلى استدراك بهجالي بقوله أنه في حال سماح تركيا بمنطقة عازلة تحت مسمى منطقة آمنة تتولى عدة دول غير تركيا إدارتها بما يشبه ما حدث خلال حرب الخليج، فإن تركيا بهذا ستمحو ما حققته حتى الآن في سوريا والعراق، وقد يحل الدور عليها بعد سوريا والعراق. وهذا ما أجج نار الخوف أكثر في قلوب حكام أنقرة، بأنهم سيكونون يوماً ما في مرمى الهدف.
إن تنسيق الإدارة الأمريكية المستمر مع قوات سوريا الديمقراطية في روجآفا وشمال وشرق سوريا بكل تأكيد سيفتح الطريق أمامهم لاستدامة الأمن والاستقرار الذي جل ما تخشاه أنقرة ومرتزقتها والفصائل الطائفية والإسلامية التابعة لها، التي تظل أعينها على الغنائم والسرقات بدلاً من التوق إلى الأمن وأسس الديمقراطية وحق الشعوب، وهذا ما أثبته أردوغان وأركان نظامه القعمي في مسألة وضع القوميين على رئاسة البلديات في شمال كردستان كخوف متجذر من السلطة الكردية على مناطقها، حيث تم "تعليق الديمقراطية" وتم وضع 94 بلدية كانت تحت إدارة الكرد تحت وصاية الحكومة قبل الانتخابات السابقة.
تركيا تسير إلى الانهيار، وهذا ما يؤدي إلى التحركات المكثفة والمتكررة إلى موسكو، والاتصالات مع إدارة ترامب، والسعي إلى تسويات تخفف من الأعباء التركية، ومن ثم خروجها من "الكعكة" السورية منهارة، بعد أن أصحبت، قانونياً، دولة محتلة، والدخول القسري إلى جرابلس والباب وعفرين الكردية، ورعايتها للإرهاب كداعش وجبهة النصرة، والآن برعايتها للفصائل المرتزقة تحت مسميات كثيرة، ومن ثم الانزلاق إلى الهاوية التي ربما تم التخطيط له منذ ظهور ملامح التعقيدات السورية أواسط العام 2011، واستقطاب تركيا للضباط والمنشقين العسكريين السوريين عن النظام وبناء معسكرات تدريب للإرهابيين ومن ثم الانخراط بقوة في الحرب الدائرة في المناطق الساخنة وصولاً إلى خلافها مع جبهة النصرة، وانهيار داعش والاقتصاد التركي المتأرجح وفشل مخرجات آستانة وسوتشي.