الحلول المستعصية واستمرار الأزمة السورية - فتح الله حسيني

2018-11-15

تراجيديا واضحة تعيشها الشعوب السورية، منذ بدء الأزمة السورية المستفحلة بدايات آذار العام 2011 وإلى الراهن، تراجيديا باتت فضاءاتها سوداء أكثر، بعد أن أصبحت سوريا بعموم جغرافياتها ساحة وخارطة ومساحة مفتوحة حيال الكتائب المجهولة والمعروفة على حد سواء، وتأسيس ما تبقى من فوضى، إيذاناً بحروب أخرى، ومعارك متتالية لا تفضي إلا إلى الموت السوري، وهو في داره أو في شارع مفض إلى شارع آخر أو وهو ذاهب إلى مهمة عمل أو دوام رسمي دون تفريق.
أفرزت الأزمة السورية تراجيديا كبيرة، بالإضافة إلى رسم ملامح أخرى للدولة السورية المقبلة، التي ما زالت ملامحها غير مدركة للعيان أو للمشاهد السياسي أو للمترقب العادي للأحداث، خاصة وأن الحدود المفتوحة على مصراعيها مع "الجارة" تركيا باتت الخطر المحدق بكل سوريا بعد أن كانت لتركيا دورها "البطولي" في تخريب أحياء كثيرة من مدن: حلب وحماة وحمص وأخيراً مقاطعة عفرين واحتلالها بعد احتلالها الهمجي لمدينتي "الباب" و"جرابلس".
النظام السوري قابع في قصره، يوزع الصكوك الوطنية والبراءات والاتهامات دون رادع، على الضفة الأخرى باتت المعارضة العربية الإسلامية والإخوانية في أبهى صفاتها في صف الضد للشعوب السورية وأغفلت عيونها وحواسها وممارساتها عن هدف تقليص دور وحجم النظام البعثي إلى التطلع لطمس مكاسب الكرد وشركائهم في جغرفيا روجآفا وشمال سوريا.
بين هاتين الضفتين هناك ممارسات سافرة، همجية، قذرة تلعبها تركيا في إغفال واضح وتهميش جلي للدور الدولي في هذا المضمار، الذي لم يحرك ساكناً حيال احتلال تركيا لعفرين، فتمادت، وباتت أعينها وأفواه مدافعها على المدن الكردية في شرق الفرات، أيضاً دون أن يكون للـ "شريك" الأمريكي أي موقف رسمي وحازم وقوي ضد تركيا في هذا المنحى.
الاستفزاز التركي لمناطق شرق الفرات، والتهديد اليومي الذي طال سكانها وأهلها وحاملي مشاريع السلام والحلول الآتية، لم يعد كافياً على ما يبدو للأتراك، بل وبصريح العبارة باتت تركيا الخطر الأكثر تحديقاً بمناطق شرق الفرات، وهذا ما سيؤجج نيراناً لا أمريكا ولا روسيا ولا أي محفل دولي يستطيع إيقاف تأجيجه بعد بدءه، إذا لم تقدم حلول سريعة وتؤخذ مواقف جديدة حيال تركيا، التي على مر السبع سنوات الماضية دمرت وكسرت وهشمت وأخلت بكل شيء دون أن يكون هناك موقف يليق بهذا الخراب التركي في الأرض السورية.
إذا كانت تركيا تصدر أزماتها إلى خارج حدودها، يبدو أننا أيضاً علينا التدخل في الداخل التركي المضطرب، لا ننتظر كصيد ثمين لهذا الذئب المفترس، بل على العكس أن التدخل الكردي في الشوؤن التركية أمر مشروع أكثر من التدخل التركي في الشأن الكردي، وهذا يتطلب موقف واضح من القوى الكردستانية التي تجد نفسها مسؤولة أخلاقياً ووطنياً وقومياً حيال مثل هكذا قضايا كبرى، لأنها بالنهاية قضية مصير شعب وأرض وخارطة لا بد من حمايتها بدلاً من النظر إليها عن بعد، وكأن ما يحدث لا يهم إلا الصامدين في الداخل.
شرق الفرات آخر المناطق المستقرة في عموم سوريا، على الجميع النظر إليها كآخر نقاط علام في الكرامة السورية، يجب الدفاع عنها من الوريد إلى الوريد، داخلياً وخارجياً.