افتتاحية العدد (407) - جريدة طريق الشعب: الشرق الأوسط على برميل من البارود

2018-11-15

الشرق الأوسط على برميل من البارود
-1-
من يدقق في الأوضاع التي تعيشها معظم دول الشرق الأوسط يدرك بسرعة حجم المشاكل والاضطرابات السياسية والاجتماعية التي تواجهها، فإضافة إلى الصراع العربي الإسرائيلي الطويل، فإن كل من تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن والعراق ولبنان تعيش حالات استثنائية من الحروب والمشاكل المتفجرة، ودول الخليج سواء في صراعاتها البيئية والداخلية والصراع مع إيران، ثم الصراع السني – الشيعي، وظروف عدم الاستقرار في إيران وباكستان، والحرب الطويلة في أفغانستان، وتركيا والقضية الكردية المتفجرة والصراع التركي السعودي، ودول الخليج وقطر، والمغرب والبوليساريون إلى ما هناك من أحداث ووقائع تهدد بالانفجار، والدول التي لا تواجه مشاكل مباشرة هي الأخرى تواجه مشاكل معقدة.
لا شك أن بعضاً من هذه المشاكل ورثتها الحقبة الاستعمارية في بداية القرن العشرين، غير أن طبيعة الأنظمة الحاكمة وبنية القوى السياسية في هذه الدول تتحمل المسؤولية الأكبر عن عدم وجود الحلول المناسبة لتلك المشاكل خلال فترة طويلة من الزمن تلت حصولها على استقلالها السياسي.
-2-
إن الأوضاع التي تمر بها المنطقة، والأوضاع المتفجرة تعيد إلى الأذهان المشاريع الأمريكية مثل الشرق الأوسط الكبير والشرق الأوسط التي طرحتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ويقيناً أن تلك الإدارات لم تكن تنجم بل أنها كانت تستند في تحليلاتها والخيارات المتاحة إلى البيئة السائدة في معظم دول المنطقة.
من وجهة النظر السياسية الخاصة بالمنطقة، فإنه من الطبيعي أن يناضل العرب من أجل وحدتهم، وأن يناضل الكرد من أجل حريتهم، ومن الطبيعي أيضاً أن تناضل شعوب المنطقة ودولها من أجل بناء تكتل سياسي واقتصادي تعزز وجودهم مقابل التكتلات السياسية الأخرى في العالم، وهذا يعني النضال من أجل شرق أوسط جديد، وفي عين الوقت فإن هذا الشرق الأوسط، هو شرق أوسط جديد بالمعايير السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى العسكرية، ومن أمثلة ذلك إذا استطاعت دول المنطقة وانطلاقاً من مصالحها بالحوار، وحل مشاكلها بالطرق الديمقراطية، وإذا استطاعت الدول العربية إقامة وحدة أو اتحاد أو تضامن أو إقامة علاقات طبيعية فيما بينها فإن الحاصل سيكون شرق أوسط كبير وهو في الوقت عينه شرق أوسط جديد.
المنطقة تعيش خارج إطار مفهوم الدول الفاعلة، وداخل إطار مفهوم الدول المنفصلة، فهي لا تمتلك مشاريع خاصة بها، وإنما تتأثر بالمشاريع الإقليمية مثل المشروعين الإيراني والتركي، وكذلك المشاريع الدولية العديدة للهيمنة على المنطقة، إيران لديها مشروع توسعي، وهي لا تستطيع التمدد شرقاً، وإنما تستطيع التمدد غرباً تجاه العالم العربي خاصة والإسلامي عامة، وهو مشروع عدواني في حقيقته وعقائدي في ظاهره، وتركيا تسعى لتحقيق أمجاد السلطنة العثمانية سيئة الصيت، والغرب الرأسمالي يسعى للسيطرة على ثروات المنطقة.
وإذا كان صحيحاً أن هناك مؤامرات وتدخلات في شؤون المنطقة وهي حقيقة لا يشك في حقيقتها، فإن من الصحيح أيضاً أن قيادات هذه الدول، وقواها السياسية هي التي تتحمل المسؤولية الرئيسية عن هذا الوضع، وإذا لم تقدم هذه الدول على حل مشاكلها بنفسها فإن الغير سيتدخل لتحقيق مصالحه، وهذه قاعدة معروفة منذ الأزل، ولا زالت مستمرة إلى يومنا هذا.
-3-
القوى القومية العربية فشلت ولم تحقق الوحدة العربية، ولم تحرر فلسطين، بل ولم تستطع أن تحقق حتى الحد الأدنى من التضامن العربي، والقوى الاشتراكية قد فشلت هي الأخرى، وتراجع دورها في كل البلدان إلى درجة كبيرة، ولا تشاهد سوى أحزاب اشتراكية صغيرة ومفككة، وعلى نفس المنوال سارت القوى التي كانت تسمي نفسها بالديمقراطية، وبدلاً من الديمقراطية سادت الدكتاتورية والاستبداد، وحدث فراغ كبير في الساحة السياسية توصل فيها قطاع مهم من الشعب إلى الاعتقاد بأن الأمل في الوقوف في وجه الغرب والولايات المتحدة بقي في الإسلام.
استغلت القوى الدينية هذا الظرف، وانتشر الفكر الديني على نطاق واسع، في كل دول المنطقة، وقفزت في المقدمة، وقد دعم الغرب هذه الظاهرة بانتهازية كبيرة بحجة دعم الإسلام المعتدل، وفتح أبوابه أمام دعاته ومجموعاته السياسية، وفي وقت قياسي أصبحت القوى الإسلامية هي الأولى في دول المنطقة وبخاصة الكبيرة مثل مصر وتركيا وباكستان، وكانت هذه الظاهرة في قسم منها رداً على الثورة الإسلامية (الشيعية) في إيران.
إذا كان التغيير في معظم الدول العربية مطلوباً، بل ومطلباً شعبياً حقيقياً، وكان ما سمي بالربيع العربي مدخلاً حقيقياً لهذا التغيير، فإن هذه القوى الإسلامية، وبخاصة الإخوان المسلمون، ومجموع القوى الإسلامية المتطرفة التي خرجت في الأساس من تحت عباءة الإخوان قد قفزت على الثورة وأجهضتها، وأصبحت ظاهرة الإرهاب بديلاً عن الثورة الشعبية الديمقراطية السلمية، وعقدت أوضاع كل دول المنطقة، وأصبحت هذه الظاهرة عامة، ولم تعد دولة من دول المنطقة بعيدة عن مخاطرها وتداعياتها، وتركيا أردوغان التي لعبت الدور الأساسي في هذا المجال لم تسلم من هذه الظاهرة.
-4-
منذ أكثر من سنتين هللت تركيا والسعودية لإقامة حلف إسلامي مؤلف منهما ومن دول الخليج الأخرى وبعض الدول الإسلامية، وتبودلت الزيارات بين وفود الدولتين إلأى درجة تم الحديث فيها عن إرسال قوات سعودية إلى تركيا للمشاركة في التدخل في سوريا وبالتالي مواجهة إيران، ولكن يبدو أن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، فبسرعة عاد النزاع بين الدولتين على قيادة العالم الإسلامي السيئ إلى المقدمة، وجاءت مساندة تركيا لقطر، والكلام عن النية في تفاهم خليجي – إسرائيلي لمواجهة إيران لتجعل من كل ذلك في خبر كان، وتركيا منذ ذلك تحاول الانتقام من السعودية بأي شكل إلى أن جاء مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول كهدية من السماء لتركيا التي استغلت الحدث ببراعة لتأليب الرأي العام الدولي والإقليمي والمحلي ضد القيادة السعودية، وبخاصة ضد ولي عهدها، وبعد هذا الحدث فإنه من الصعوبة بمكان أن تعود الأمور إلى نصابها في المدى المنظور، وسينعكس ذلك بآثارها على المنطقة، إذ أنه من الواقعي أن ينعكس هذا الحدث على السعودية سلبياً إلى حد ما، ولكن ومن الجهة الأخرى فإن عزلة تركيا ستزداد في العالم العربي وستكون أكبر الخاسرين.
-5-
إن القضية المفتاحية لحل مسائل الشرق الأوسط المعقدة هي المسألة الديمقراطية التي يجب أن تكون الأساس في مسألة التغيير، ويقيناً أن كل ذلك لن يتم دون آلام، ولا بد من آلام المخاض التي تلازم عملية التغيير الديمقراطي، وهذه تحتاج إلى فرز قوى جديدة وأسلحة سياسية جديدة يجب أن تنبثق في معمعان النضال الشاق، وإذا استطاع الإسلام السياسي في لحظة ما القفز على الثورة وإجهاضها، فالأمل هو أن تكون شعوب المنطقة قد استوعبت دروس التجزئة وتمثلتها.
الثورة الفرنسية استمرت لمدى خمسين عاماً وانتصرت في النهاية، وعلى الثوريين النهوض من جديد، وعدم الركون إلى اليأس، عليهم أن يتأكدوا من أن أسباب الانتكاس لن تكون ضمن عوامل نجاح ثورتهم الجديدة.