مهنة الطب رسالة أم تجارة؟ جنون أسعار الكشف والمواطن هو الضحية..

2018-06-16

بنايات وأعمدة وساحات تغطيها لافتات تخص أناس اتخذوا أوجاع المرضى تجارة لهم، إنهم الأطباء، أصحاب مهنة الرحمة والإنسانية التي تحولت في الآونة الأخيرة لتجارة كتجارة السلع تهدف للربح قبل مداواة المرضى، الذين لا ملجأ لهم للخلاص من أوجاعهم إلا هذه العيادات الخاصة، مجبَرين بعد شبه توقف للمستشفيات العامة والمراكز الصحية.
"جريدة طريق الشعب" تكشف النقاب عن أسعار كشوف الأطباء في عدة مناطق وأحياء مختلفة من إقليم الجزيرة في روج آفاي كردستان، حيث تحتل مدينتا قامشلو والحسكة أغلى سعر للكشوف، نظراً لتواجد أسماء كبيرة من الأطباء، وأعلى كشف بها تتراوح ما بين (2500 – 3000 ل.س)، وأقل كشف /2000/ل.س، تليها المدن والبلدات الأخرى، حيث الأطباء أصحاب خبرة وذوي سمعة جيدة بين أوساط الشعب، والذين يأتي إليهم المريض عادة ثقةً في خبرتهم.
"جريدة طريق الشعب" رصدت آراء المواطنين في هذه الأسعار وكيف يرون مهنة الطب التي أصبحت بمثابة تجارة رابحة لأصحابها، فكانت أولى جولاتنا في مدينة الحسكة، حيث قال ع.ح، إن سعر كشف الدكتور للمرضى هو /2500/ ل.س، وعدد المرضى يفوق 25 في اليوم تقريباً، موضحاً أن الاستشارة تكون خلال أسبوع، مشيراً إلى أن الزيارة التي تأتي بعد الاستشارة تعتبر كشفاً جديداً حتى لو كانت في اليوم التالي للاستشارة مباشرة".
وقال أ.س، من إحدى القرى التابعة للحسكة والذي يأتي للمدينة للكشف لدى طبيب أمراض عصبية: "مافي رحمة كله دبح".. وأضاف: "مستوى الطب متدني جداً عندنا، أتيت إلى هنا وأنا أعرف أني سأدفع /2500/ ل.س، الكشف غال أنا أعرف ولكن ليس هناك البديل".
أما المواطن ش.ع قائلاً: "كشف الطبيب لا يتناسب مع دخول المواطنين على الإطلاق، بالإضافة إلى تكاليف العلاج".
ويضيف أن غلاء المعيشة وتدهور أوضاع الناس طغى على كل العواطف الإنسانية، خاصة على أهم مهنة عرفتها الإنسانية، ما دفع العديد من الأطباء إلى عدم استقبال بعض الحالات التي لا يتوفر لديها المال الكافي لتلقي العلاج.
وتقول أ.م، الأم لـ 4 أطفال: "إنه غالباً ما يكون الأطفال أكثر عرضة للأمراض، وذلك لأن الصغار بطبيعتهم حساسون ومناعتهم ضد الأمراض ضعيفة جداً".
وتضيف أن التكلفة العلاجية للأطفال تستحوذ على جزء كبير من راتب الأسرة، فدفع كشفية الطبيب، التي تتراوح ما بين /2000 – 2500/ ل.س، وشراء الأدوية التي لا تقل عن /2500/ ل.س أمر لا يمكن احتماله".
وتقول (ز) ربة منزل: "أقل كشف بـ2000 ل.س"، وعن جدوى العلاج ونتيجته قالت "والله ما بيجيب نتيجة أبداً".. السيدة (ر) أيضاً قالت: "بسبب ارتفاع أسعار الكشف أحياناً نضطر إلى المعالجة المنزلية، ولا نستطيع أن نذهب إلى العيادات".
أما السيد ف.ب، فقال: "منطقة وسط البلد مشهورة بالعيادات الطبية.. وبالطبع يشتكي بعض المواطنين من أسعار الكشوف للدكاترة".
ويقول س.ع: "كشف الدكتور غال جداً بالنسبة لدخل المواطن والحالة المعيشية المزرية التي نحن فيها، وعندما تدخل إلى طبيب للكشف لا يستمع إليك".
أما مدينة قامشلو فلا تختلف كثيراً عن الحسكة، فتوجهنا إلى مركز المدينة، وأخذنا آراء بعض المواطنين حيث قال أحدهم: "تبدأ الكشوف في مدينة قامشلو من 2000 وحتى 3000 ل.س حسب التخصص"، وتابع "للناس مقاييس غريبة تتحكم في سعر الكشف للدكتور.. وكمان في دكاترة بتبيع الدواء في العيادات، وهذا منتشر في عيادات دكاترة أمراض النساء".
أما م.إ من أهالي المدينة تقول: "الكشوف غالية طبعاً رغم إنها تتفاوت من دكتور لآخر، وإذا كانت الأحوال صعبة وغالية على الغني المبسوط فما بالنا بالفقير".
الأطباء يبررون:
توجهنا إلى أحد الأطباء، والذي رفض تصويره والكشف عن اسمه وتحدثنا معه عن أسباب ارتفاع كشوف العيادات الخاصة للأطباء، فقال إن هناك عدة اعتبارات مهمة تحدد أسعار كشوف الدكاترة وهي أولاً الجامعة التي تخرج منها الطبيب فجامعات الدول الغربية تأتي في المقام الأول، ثم تليها الجامعات السورية، ثم باقي الجامعات مثل الروسية والأوكرانية.
وأضاف: "يليها الدرجة العلمية للطبيب وهل هو ضمن أساتذة واستشاريين المستشفيات الجامعية أم لا، وأيضاً الشهادات العلمية الخارجية التي نالها، كما أن زمالته لإحدى الجامعات الخارجية لها تأثير كبير أيضاً، بالإضافة إلى منشوراته الطبية في المجالات العالمية، وأخيراً المكان الذي توجد فيه العيادة وطاقم الممرضات الذي يعمل معه.
لجنة الصحة في مجلس مقاطعة الحسكة تبيّن:
من جانبه التقينا الصيدلاني درباس معمي عضو لجنة الصحة في مجلس مقاطعة الحسكة، حيث أكد لنا أن هدفهم الاستراتيجي هو توفير المعالجة والدواء لأكبر شريحة ممكنة من الشعب بشكل مجاني وذو نوعية جيدة، عملنا في بدايته الآن بعد انتخابات الفيدرالية ونحن في صدد فتح مراكز صحية لعدد من المدن والبلدات حيث تم إنشاء مركز صحي في الشدادي والعريشة بطاقم طبي من أطباء وممرضين وسيارة إسعاف تخدم المنطقة، كما سيتم فتح مراكز صحية في كل من (تل بيدر – توينة – صفيا) في القريب العاجل، وعند توفير ذلك ستصل الخدمات الطبية إلى أكبر شريحة من المواطنين، وهذا هو هدفنا الاستراتيجي.
وعن وضع ضوابط للهيب أسعار الكشوف الطبية أفاد أن النقابات والاتحادات الطبية هي مؤسسات تابعة للمجتمع المدني، لها قوانين خاصة، ومؤتمرات وكونفرانسات يتم فيها اتخاذ القرارات، كما يتم فيها وضع عقوبات خاصة، ونحن لا نتدخل في ذلك، وللأسف لا يوجد قانون يلزم النقابة بتنظيم كشوف الأطباء في العيادات الخاصة.. ولكن يتم الآن العمل من أجل تأسيس مجلس صحي لمدينة الحسكة وسيتم افتتاح المقر نهاية هذا الشهر الجاري، وإذا تواجدت أي مشكلة فإن المجلس سيتدخل لحلها، ومن أجل الوقوف بوجه ارتفاع أسعار الكشوف علينا إيجاد حلول لذلك، فيجب توفير فرص عمل للأطباء إلى جانب عياداتهم الخاصة، مثل تعيينهم في المستشفيات والمراكز الصحية.
كما أن هناك مستشفى الشعب في مدينة الحسكة (المشفى الوطني سابقاً) ويقدم العديد من الخدمات الطبية للمواطنين، ونحن أيضاً نرى أن سعر الكشوفات الطبية في العيادات الخاصة عالية جداً في هذه المرحلة الصعبة لكن الحل يكمن في إنشاء مستشفيات ومراكز صحية عامة لتوفير العلاج والدواء المجاني حتى يصل لأكبر شريحة من المواطنين، ثانياً بناء المجلس الصحي، وهو الخطوة الأهم ليتم الاتفاق مع الأطباء والتوصل إلى نتيجة ترضي الطرفين، الطبيب والمواطن.
تقرير: عزيز أحمو