الوضع الاقتصادي للأسرة والتنشئة الاجتماعية

2018-05-15

إن معرفة حقيقة البنية الاقتصادية للأسرة من شأنه أن يمكننا من معرفة وفهم حقيقة دورها في تربية وتنشئة أبنائها وتأثير ذلك البناء في تحديد وضعيتها داخل المجتمع المتواجدة فيه ومدى درجة تعاملها مع أفرادها والخارجين عن أسرتها في ظل الحركية الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المجتمع.
فالوضع الاقتصادي أو المادي للأسرة يتحدد تبعاً للوضع الاقتصادي العام للمجتمع، فالأسرة التي تعيش من أجرها اليومي ولا تملك عموماً مدخولاً مادياً ولا أي مدخر وهذا الأخير مرتبط وجوده بوجود الدخل الذي يتقاضاه أفراد الأسرة وعلى رأسهم الأب أو الأم أو هما معاً، ومدى تلبية هذا الأجر لمجموع الحاجات والمتطلبات والذي بدوره ينعكس على نوعية وكمية ممتلكات الأسرة، وبالتالي فما ينطبق على الوضع الاقتصادي السائد عامة في المجتمع من خلل ما هو متوفر في مجال العمل والتشغيل وطبيعة الجوانب الاقتصادية، ينطبق على الأسرة ويؤثر بذلك في كل نشاطاتها وواجباتها نحو أفرادها.
يلعب الوضع الاقتصادي المادي للأسرة دوراً كبيراً على مستوى التنشئة الاجتماعية للأطفال، وذلك في مستويات عديدة، على مستوى النمو الجسدي والذكاء والنجاح المدرسي وأوضاع التكيف الاجتماعي. فالوضع الاقتصادي للأسرة يرتبط مباشرة بحاجات التعلم والتربية، فالأسرة التي تستطيع أن تضمن لأبنائها حاجاتهم المادية بشكل جيد من غذاء، وسكن، وألعاب، ورحلات علمية، وامتلاك الأجهزة التعليمية كالحاسب، والفيديو والكتب، والقصص، تستطيع أن تضمن من حيث المبدأ الشروط الموضوعية لتنشئة اجتماعية سليمة، وعلى العكس من ذلك فإن الأسر التي لا تستطيع أن تضمن لأفرادها هذه الحاجات الأساسية لن تستطيع أن تقدم للطفل إمكانيات وافرة لتحصيل علمي، أو معرفي مكافئ.
وبالتالي فإن النقص والعوز المادي سيؤدي إلى شعور الأطفال بالحرمان والدونية، وأحياناً إلى السرقة والحقد على المجتمع، ويلعب هذا العامل دوره بوضوح عندما تدفع بعض العوائل أطفالها للعمل المبكر، أو الاعتماد على مساعداتهم وهذا من شأنه أن يكرّس لدى الأطفال مزيداً من الإحساس بالحرمان والضعف ويحرمهم من فرص تربوية متاحة لغيرهم.
وإذا نظرنا إلى الوضع الخاص للأسر التي بها أطفال متخلفين ذهنياً أي يعانون من إعاقة فإننا نجدها تعاني من أعباء وتكاليف فرضتها عليها ظروفها الخاصة والتي بدورها تختلف من أسرة إلى أخرى وهذا تبعاً للمستوى الاقتصادي الذي تعيش فيه والذي قد يتحدد بالدخل والمسكن والممتلكات المختلفة وأيضاً بمدى تلبيتها لحاجات أطفالها بصفة عامة والمعاقين بالتخلف الذهني بصفة خاصة لما قد تتطلبه هذه الإعاقة من حاجات ومصاريف أخرى على عاتق هذه الأسر وكله ينعكس على تنشئتها الاجتماعية لأطفالها بصفة عامة والمتخلفين ذهنياً بصفة خاصة من حيث الأساليب المتبعة في ذلك.
ويمكننا توضيح هذه الأهمية في أن تحسن الأوضاع الاقتصادية للأسرة – وذلك من خلال تحليل ظروفها المادية – تساعدها على العناية أكثر بتنشئة أطفالها والإشراف عليهم بطريقة مميزة وفعالة، فالآباء تحت الظروف المعيشية والاجتماعية المتطورة تمكنوا من توفير متطلبات جيدة يحتاجها أطفالهم، كالسكن المريح والوسائل التعليمية والترفيهية والعناية الصحية والغذاء واللباس اللائق وغيرها من الأمور الكمالية الأخرى، وهذا ما ساعد على تقوية ووحدة وتماسك الأسرة كمنظمة اجتماعية مهمة من منظمات المجتمع.
علاقة أساليب التنشئة الاجتماعية بالمستوى الاقتصادي:
تختلف أساليب التنشئة الاجتماعية المتبعة في كل مستوى اقتصادي معين عن غيرها في مستوى آخر، حيث أن أهمية هذه الفروق ظهرت بعد دراسات أجريت في هذا الميدان إذ من نتائجها أن الطبقة المتوسطة تطبق على أولادها نظاماً قاسياً كذلك وجدت
نتائج أخرى أن التدريب الذي يخضع له الطفل من الطبقة المتوسطة يتميز بالتدريب المبكر على طرق النظافة وإتباع نظام قاسي في التغذية، ويذهب آخرون إلى أن طريقة الطبقة المنخفضة في التنشئة هو تشجيع الإشباع البدني والتعبير عن العدوان في حين أن القيم المعتدلة التي وجدت لدى الطبقة المتوسطة أقل لدى هذه الطبقة، كما وجد أيضاً أن الوالدين في الطبقة المتوسطة يميلان إلى استخدام أقل حد من العقاب البدني والتهديد حيث يؤكد بروفنبرنر (1958) أن طريقة الطبقة المتوسطة في التنشئة أكثر فعالية، حيث وجد أيضاً أن الأمهات في الطبقة العاملة يستخدمن العقاب بقدر أكبر وأن تسامحهن قد ارتبط ارتباطاً موجب مع عدوان الطفل.
وإذا افترضنا أن كل طبقة تستخدم أساليب في التنشئة تختلف عن باقي الطبقات فإن ذلك الاختلاف يكون له أثر على شخصية الأبناء مستقبلاً، فعمليات التنشئة التي تقوم بها الأسر في مستويات طبقية مختلفة تتباين في ممارسات الآباء والأمهات وفي الطبقة المتوسطة نجدهم يميلون إلى تأكيد النبوغ والاستقلال والاعتماد على النفس في تدريبهم للأبناء أثناء عملية التنشئة، وذلك يختلف إلى حد بعيد عن ما يفعله الآباء في الطبقة الدنيا، كما أن الطفل في الطبقة المتوسطة تكون له قابلية لذلك التدريب أعلى منه لدى طفل من طبقة منخفضة، كما أن الآباء في الطبقة المتوسطة يكونون صارمين في معاملتهم لأبنائهم وشديدي المحافظة على الآباء في الطبقة الدنيا.
كما وجد أيضاً أن الآباء الذين يعملون في أعمال مهنية يميلون إلى استعمال طرق مرنة في تربية أبنائهم، أما الذين يعملون في أعمال يدوية يميلون أكثر إلى استعمال العقاب البدني، حيث وجد ماكينون (1956) أن الآباء في الطبقة الدنيا يستخدمون أنماطاً في تنشئة أبنائهم تتميز بطاعة الأوامر والعقاب البدني وهذا ما يتسق مع الاتجاه التسلطي حيث سجلت أعلى نسب لهذا الاتجاه في الطبقة المنخفضة والمتوسطة.
إن الواجبات التي تؤديها الأسرة لضمان تنشئة اجتماعية سليمة لأبنائهم ترتبط بالوضع الاقتصادي لهذه الأسرة، ومن المعروف أن الأسرة اليوم تواجه صعوبات ومشكلات كبيرة في أداء مهامها الاجتماعية والتربوية والنفسية والمادية نحو أبنائها، فهذه المشكلات جعلت الأسرة في معظم الحالات غير قادرة على أداء مهامها نتيجة محدودية مواردها المالية وصعوبة توفيرها، فالأسرة بصفة عامة عرفت عدة مشكلات وتحديات ترجع إلى عدة أسباب موضوعية وذاتية.
فالفقر الذي قد تتعرض له الأسرة غالباً ما يتسبب في اضطرابات تمس كيانها كوحدة اجتماعية أساسية ومن أخطرها ما يلحق بأساليب التنشئة الاجتماعية والأسرية والذي ينعكس مباشرة على الأبناء سواء أكانوا عاديين أو معاقين، إلا أننا نجد من جهة أخرى أن تحسن الظروف الاقتصادية والمادية لمعظم الأسر بعد التحولات والتغيرات الاقتصادية ساعد على زيادة التوافق والانسجام الأسري، إلا أن هذا كله لا يعني تحرر الأسرة من المشاكل والعقبات والتي لا تزال قائمة بوجودها وتغير كل الظروف المحيطة بها على الصعيد الداخلي والخارجي.