ماهر جايان

2017-06-06

ماهر جايان
ترجمة: خالد عبدكي
إذا كان حديثنا يدور حول الثورية والثوار، ومدى صدقهم في تبني قضيتهم والدفاع عن شرعيتها في عمله وأخلاقه وحياته، يتبادر إلى ذهننا المناضل الثوري الذي نشر حبه لثوريته في قلوب الآخرين ومات في سبيل أفكاره التي دافع عنها حتى آخر رمق ألا وهو القائد الشيوعي ماهر جايان فمن يكون ماهر جايان؟
هو قائد شيوعي ثوري تركي ولد عام 1945م في مدينة سامسون على البحر الأسود، ودرس في جامعة اسطنبول بكلية الحقوق والعلوم السياسية، وتأثر كثيراً بالفكر الشيوعي بين طلاب الجامعة آنذاك، شارك في منظمة الشباب الثوري التي خرجت العديد من القيادات الشيوعية.
رفض الفكر الشيوعي المنبثق من المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي التي عرفت بالتحريفية السوفيتية، وتأثر بأطروحات الكفاح المسلح فأسس في عام 1971 حزب جبهة التحرر الشعبي التركي بتوجهات ماركسية لينينية معادية للتحريفية، تعتمد على الأطروحات الفكرية لماركس وانجلز ولينين وماو تونغ وتشي جيفارا وغيرهم من قادة الفكر والكفاح الشيوعي، وقد تبنى التنظيم الكفاح المسلح في المدن والأرياف كإستراتيجية لإسقاط النظام التابع الذي وصفه ماهر جايان مستخدماً الوصف الماوي للدول التي تدين بالولاء والتبعية لدول وقوى دولية بالشبه المستعمرة، ولأنه وجد في ذاته مدافعاً عن قضايا كل الشعوب المضطهدة، وحمل على عاتقه الحرب ضد كل هذه القوى التي تجعل من الشعوب أرضاً وتزرع في نفوسهم بذور العبودية لتكبر فيهم على مر الأيام ويجنون حصادهم ولاء في ولاء، ولهذا وفي نفس العام أي 1971م قام مقاتلو الجبهة باختطاف القنصل الإسرائيلي في اسطنبول ومن ثم إعدامه مدافعاً بذلك عن الشعب الفلسطيني المضطهد تحت طغيان الإسرائيليين تارة، ومحاربة الرأسمالية التي تمتد لتغزو حرية الشعوب تارة أخرى، فقامت القوة الأمنية إثر ذلك بحملة للقبض عليه، وقد حاصرت مكان تواجده، وخلال إطلاق النار جرح وتم أسره.
خلال المحاكمة تم جلب شهود الادعاء ومن بينهم طفلة لا تتجاوز العشرة أعوام كانت من بين ساكني الشقة التي احتمى فيها القائد الشيوعي ماهر جايان خلال حصاره فأفادت حرفياً: "عمو ماهر طلب مني الاختباء بعيداً كي لا أصاب بأذى، لقد كان عمو ماهر طيباً جداً ولم أكن خائفة منه أبداً". فإن دلت شهادة هذه الطفلة البريئة إلى شيء فإنها خير دليل على إنسانية هذا القائد الذي كان همه الوحيد هو خلاص كل مظلوم من ظلمه.
هرب ماهر جايان من السجن، وقد كان قادة الانقلاب العسكري قد نكلوا بالقوى الماركسية الثورية ومن بين من طالتهم يد العسكر للقائد الشيوعي الماوي دينيز غازميش الملقب (بجيفارا تركي) مؤسس جيش التحرير الشعبي التركي التابع للحزب الشيوعي التركي (الماركسي واللينيني) حيث تم القبض عليه ورفاقه وحكموا بالإعدام.
في محاولة من القائد ماهر جايان لإنقاذ دينيز غاميش قام ورفاقه باختطاف ثلاثة خبراء عسكريين بريطانيين تابعين للناتو مطالبين بتبادلهم مع رفاقهم الثلاثة المحكومين، وبعد أربعة أيام من تحديد موقعهم قامت القوات الخاصة التابعة للجيش التركي بالهجوم على الموقع، وجرت اشتباكات حادة في قرية (قزل دره) حيث طلب منه بالاستسلام فرفض وقال في مقولته التي خرجت من أعماقه فكتب بها تاريخ جديد: "لم آتِ إلى هنا لأرجع، إنما لأحرر". فقتل كل من كان موجوداً في ذلك الموقع ورفض ماهر جايان الاستسلام، حيث قاتل حتى استشهد على يد القوات التركية ليصبح رمزاً لليسار التركي الثوري.
من هنا جاءت رمزية جايان لدى اليسار التركي وأصبح رفض الاستسلام منذ تلك اللحظة من تقاليد لليسار الثوري في تركيا.
عندما اغتيل القائد ماهر جايان انتهت فعلياً منظمته، إلا أن الخط الذي اختطه قد أنجب عشرات التنظيمات التركية المقاتلة أبرزها اليوم حزب جبهة التحرر الشعبي التركي (THKP-C/MLSPB).
هكذا استشهد الرفيق جايان في سبيل إنقاذ قائد منظمة شيوعية ثورية مقاتلة أخرى يفترض بها أن تكون (المنافسة)، فأظهر بذلك صدق إيمانه بالقضية التي يقاتل من أجلها واضعاً إياها فوق كل الاعتبارات، كما أثبت أن المسالة الأولى في الثورة هي مسألة الخط الثوري الذي يأتي قبل كل شيء، فبالرغم من تحطيم حزبه إلا أن فكره بقي وخرجت تنظيمات بالعشرات تحمل فكره وتتبنى الكفاح المسلح إلى درجة استدعت القيام بانقلاب عسكري آخر بعد تسع سنوات فقط.
اليوم يعتبر الشهيد جايان أحد أعمدة اليسار التركي إلى جانب الشهيدين (دنيز غازميش وإبراهيم كايبك كايا).
المجد للشهيد جايان ولكل شهداء الثورة