افتتاحية العدد (385) - طريق الشعب: ماذا سيقدّم مؤتمر الأستانة؟

2017-01-17

 ماذا سيقدم مؤتمر الأستانة؟
يقترب موعد انعقاد مؤتمر الأستانة في 23/1/2017م مع تطورات سياسية وأحداث هامة على الأرض، من أهمها تغير الإدارة الأمريكية وجلوس دونالد ترامب في البيت الأبيض، وما سيترتب على ذلك من تغيرات في المواقف الأمريكية ليس فقط تجاه الأزمة السورية، وإنما تجاه مختلف القضايا في الشرق الأوسط والعالم بكونها قضايا مترابطة، كما يأتي هذا المؤتمر وسط صراعات بين مختلف الأطراف الدولية والإقليمية والمحلية ذات العلاقة بالأزمة السورية.
الهدنة هشة للغاية، والأصح أنه لم تطبق هدنة حقيقية، فالقتال في وادي بردى مستمر، وكذلك في العديد من المناطق السورية، يضاف إلى ذلك أن كل الأطراف لم تهدأ ولو للحظة واحدة من أجل لملمة صفوفها وتحقيق أهدافها، فتركيا التي شعرت بقرب خسارتها في العراق بادر رئيس وزرائها إلى بغداد وهولير لتحقيق الأهداف التركية بالديبلوماسية بعد أن خسرت في مساعيها عن طريق التدخل العسكري، والزيارة إضافة إلى أنها لم تكن ناجحة، إلا أنه لا يمكن فصلها عن الخلافات التركية الإيرانية الناجمة عن أهداف البلدين في كل من سوريا والعراق المحسوبتين على إيران، وأما إيران التي تشعر بالقوة بعد سيطرة النظام على حلب، وتراجع دور الفصائل المسلحة المحسوبة على تركيا ودول الخليج، فإنها عملياً مع الحل العسكري، وهي مع النظام لن يتنازلا سلمياً عن ما يتنازلان عنه عسكرياً، ولذلك فإن إيران تدفع باتجاه تسخين الوضع في سوريا بعكس أهداف الهدنة المعلنة، وفي كل الأحوال فإنها لن تسمح بتحقيق مطالب المعارضة المتعلقة بانتقال حقيقي للسلطة، وإذا أضفنا إلى ذلك عامل غياب الولايات المتحدة ودول الخليج والاتحاد الأوربي، وكذلك عامل الصراع الدولي، وبعيداً عن إشراف الأمم المتحدة على هذا المؤتمر فإن هناك ضباب كثيف يكتنف مؤتمر الأستانة والنتائج التي يمكن أن تتمخض عنه.
إذا كانت كل من تركيا وإيران لاعبتان مهمتان في مؤتمر الأستانة والأزمة السورية عامة فإن روسيا الاتحادية هي اللاعبة الأكبر والأساسية، وهي التي تقود عملياً دفة الأمور والتوجهات المتعلقة بهذا المؤتمر وكل من إيران وتركيا لا تستطيعان مواجهة الدور الروسي على المكشوف، ويمكن القول بأن روسيا ستكون الرابح الأكبر في أي نجاح لمؤتمر الأستانة، ولذلك فإنها تدير كل التناقضات، وتحاول تقليصها لتظهر في النهاية كقوة عظمى وقطب لا يمكن تجاوز دوره الدولي، وبالطبع فإن هذا لا ينفي ولا يلغي المصالح الإيرانية والتركية.
تركيا التي باعت حلب والمعارضة للروس وللنظام السوري، وهو أمر لم يعد بإمكان أقرب أطراف المعارضة السورية الموالية لتركيا إخفاءه، فإن هدفها الرئيسي لم يعد نجاح المعارضة وتغيير النظام في سوريا، وأن شعاراتها الرنانة بمحاربة داعش لم تعد قادرة على إقناع أحد، إن هدفها الرئيسي والوحيد هو محاربة الكرد، ومنع إقامة النظام الفيدرالي على حدودها الجنوبية، وهو ما يصرح به المسؤولون الأتراك بدءاً من أردوغان ومروراً برئيس الوزراء ووزير الخارجية، وانتهاءً بأصغر مسؤول تركي، وهذا ما يدفعها الآن إلى الوقوف ضد حضور ممثلي الإدارة الذاتية الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية في مؤتمر أستانة، بالرغم من أن كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية تريان ضرورة تمثيل ممثلي الشعب الكردي في هذا المؤتمر، وطبيعي فإن غياب ممثلي الشعب الكردي عن المؤتمر يعني غياب رأي ومطالب الشعب الكردي في مستقبل سوريا في هذا المحفل.
كان للكرد وضع مشابه لما يجري الآن، فقد تم استبعاد ممثلهم عن اجتماعات جنيف 1-2-3 لنفس الأسباب والضغوط التي مورست من قبل تركيا، وقبلت بذلك القوى الدولية التي رعت تلك الاجتماعات، بالرغم من صدور تصريحات عنها تعلن عن عدم رضاها عن استبعاد الكرد، ولكن الكرد اليوم يختلفون عن كرد البارحة، وحتى عن الكرد أثناء اجتماعات جنيف، فقوات سوريا الديمقراطية تتقدم باتجاه مدينة الرقة عاصمة دولة الخلافة وهم الآن على ضفاف بحيرة سد الطبقة وعلى بعد /3/كم عن جسم السد ومدينة الطبقة وسط انتصارات كبيرة وسيتجهون نحو دير الزور بعد إيصال مقاطعة كوباني بمقاطعة عفرين، وهي الآن قوة رئيسية لا يمكن القفز فوق دورها في تحديد مستقبل سوريا، إضافة إلى أن الإدارة الذاتية الديمقراطية هي القوة الوحيدة التي تمتلك برنامجاً ديمقراطياً لمستقبل سوريا يتمثل في دمقرطة سوريا، وبناء سوريا الفيدرالية الديمقراطية إضافة إلى فيدرالية روج آفا – شمال سوريا وخارطة الطريق لحل الأزمة السورية، بينما تفتقر باقي الأطراف سواء كان النظام أو أطراف المعارضة لمثل هذه البرامج.
إن مؤتمر الأستانة الذي يغيب عنه الغرب عامة ودول الخليج إضافة إلى ممثلي الشعب الكردي في سوريا لا يمكن أن يكون بديلاً عن مؤتمر جنيف الذي أقيم تحت رعاية الأمم المتحدة بالرغم من كل عيوبه، وبخاصة غياب ممثلي الشعب الكردي، وإذا لم يضغط الطرف الروسي بشكل جدي على تركيا بضرورة حضور الكرد، فإن مؤتمر أستانة لن يقود قطعاً إلى حل الأزمة السورية وسيفشل من حيث فشل مؤتمر جنيف.
وفي كل الأحوال حتى منظمو مؤتمر الأستانة بدأوا يحسون منذ الآن أنه لا يمكن حل الأزمة السورية في هذا المؤتمر، ويعلنون أنه سيكون خطوة نحو حلها في مؤتمر تشرف عليه الأمم المتحدة، وإذا كان الأمر كذلك، فإن كل طرف سيعد نفسه ويجمع قواه لتلك المرحلة، فلن تنسحب القوات الأجنبية التي تساند النظام سواء كانت قوات حزب الله أو القوات الإيرانية والميليشيات العراقية وغيرها، وهذا ما يخالف القرارات المتفق عليها لحضور الأستانة، وتركيا لن تتراجع عن قرارها باحتلال مدينة الباب والامتداد إلى مناطق أخرى وهو ما يجري على الأرض واقعياً، وسيتابع النظام سياسته المعروفة، أي سياسة الحل العسكري والحصول على مزيد من الأراضي، وهذا يعني أن كل الأطراف لن تكون جادة في الأستانة سوى الطرف الروسي.