العنوسة وتأخر سن الزواج.. مشكلة طالت الجميع آثارها النفسية.. وهل تعدد الزوجات حل لمشكلة العنوسة؟

2016-10-26

العنوسة وتأخر سن الزواج.. مشكلة طالت الجميع
آثارها النفسية.. وهل تعدد الزوجات حل لمشكلة العنوسة؟
أصبحت ظاهرة العنوسة لدى الشباب والبنات تمثل مشكلة كبيرة يعاني منها الكثيرون، فتأخر سن الزواج (العنوسة) من المشكلات الكبيرة والمعقدة التي تبحث عن حل، فانتشار المشكلة بصورة صاخبة في مجتمعنا أصبح أزمة ضخمة يصعب حلها؛ فرغم الكم الهائل من الموروث الديني والثقافي الذي يعمل على منع ظهور هذه الظاهرة، إلا أن وجود عادات عقلية غريبة، وشروط شكلية كثيرة تقف عائقاً أمام الزواج.
تغير مسارات كثيرة نحو الاتجاه المعاكس، ولكل بلد عاداتها وعقليتها المختلفة التي تساعد على انتشار هذه الظاهرة، فنظرة المجتمع لا ترحم كل من تقدم بها السن دون أن تتزوج... والإحصائيات التي نقرأها بين الحين والآخر عن ارتفاع نسبة العنوسة، تثير المخاوف وتنذر بخطر داهم من تفشي هذه الظاهرة الاجتماعية، التي تعد من أمراض المجتمع التي يجب مواجهتها والحد من انتشارها والبحث عن الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والدينية التي أدت إليها، لم يترك شبح العنوسة دولة إلا وزارها، ولا مجتمعاً إلا وانتشر فيه، وتعتبر أرقام وإحصائيات العنوسة في كفيلة بإبراز حجم المشكلة، ومدى المخاوف والهواجس التي تفرض نفسها على تلك المجتمعات بقوة...
وقد أوضحت الإحصائيات أن العنوسة لا تقتصر على النساء فقط، فهناك نسبة كبيرة من الرجال يعانون هذه الظاهرة، ففي روج آفا بينت الأرقام التي قمنا بإحصائها أن أكثر من 50% من الشباب لم يتزوجوا بعد، في حين لم تتزوج 60% من الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن ما بين 25 و29 عاماً، وبلغت الفتيات اللاتي تخطى عمرهن 34 عاماً دون زواج أكثر من نصف النساء غير المتزوجات.
لذلك ارتأت جريدة "طريق الشعب" أن تلقي الضوء في هذا التحقيق على قضية تأخر الزواج "العنوسة" وأسبابه ووقعه المرهق نفسياً واجتماعياً على الشباب، وما يليه من نتائج سلبية على الفرد والمجتمع...
تتبعنا هذه الظاهرة من خلال مسارين أولهما رأي الشباب أنفسهم، ثم رأي العلماء والمختصين، وإليكم ما وصلنا إليه:
في البداية التقينا بمجموعة من الشباب والفتيات في عدة مدن وقرى في روج آفا وسألناهم عن رأيهم في انتشار ظاهرة العنوسة...
- الفتاة أ.ع 30 عاماً غير متزوجة "صيدلانية" تقول:
في أثناء دراستي في الجامعة، وأثناء عملي بعد التخرج كنت أنظر إلى الزواج على أنه مشروع مؤجل في حياتي، فتقدم لي كثير من الشباب الذين يرغبون في الزواج مني؛ وكانوا ذوي ثراء أو منصب علمي محترم - ورغم ذلك كنت أرفض هذه الفرص للزواج خوفاً على حريتي، وأملاً في أن الحياة بها الأفضل إلى أن اكتشفت أن جميع صديقاتي تزوجن وأصبح لهن أسر وأصبح عمري الآن 30 وبدأت الفرص تقل وأخشى الآن أن أكمل حياتي وحيدة ونادمة على الفرص التي ضاعت بسبب تفكيري الخاطئ...
- يقول "م. ف" شاب غير متزوج:
يعيش الشباب في هذه الأيام وضعاً مادياً صعباً يواجه من خلاله جملة إشكاليات؛ بداية من البحث عن مسكن مناسب، مروراً بوظيفة تضمن له راتباً شهرياً ثابتاً يناسب متطلبات الحياة، انتهاءً بتكاليف الزواج التي أصبحت مرتفعة بشكل جنوني، وكل هذه المشكلات كفيلة بانتشار نسبة العنوسة وعدم التفكير من الأساس في الزواج، فمن الصعب في هذه الأيام تحمل الشاب نفقات نفسه فكيف يستطيع تحمل نفقات بيت وأسرة؟
وبعد هذه الجولة في آراء الشباب كان للحوار وقفات مع بعض المختصين فإليكم ما قالوا:
- في البداية كان لنا لقاء مع المرشد النفسي "ع. أ" حيث أكد أن ارتفاع نسبة العنوسة لم يأت من فراغ إنما له العديد من الأسباب مثل المشاكل الاقتصادية، مشاكل البطالة، مشكلة التضخم وارتفاع الأسعار الجنونية، عدم التنشئة السليمة للأبناء.
وأكد "ع" أن حل أزمة العنوسة لن يكون إلا بمعالجة تلك الأسباب لأن الحلول الجذرية تبدو بعيدة التحقيق وبالذات في مجتمعاتنا؛ فهناك عدة مقترحات عملية يمكن أن تحد من الظاهرة، وهي ما نحاول الوصول لحلها عن طريق تقديم نموذج فريد يشمل الوسائل المجدية للخروج من هذه الأزمة، وأول هذه الحلول التي نقوم بها هي البرامج التثقيفية.
ويضيف ومن الحلول الأخرى التي نتابعها إخضاع الزوجين لبرنامج نفسي واجتماعي للتأكد من نضج أسلوب التعامل بين الزوجين ولبيان المشاكل التي من المتوقع أن يتعرضوا لها، بالإضافة إلى تقديم النصح والمشورة والمحاضرات للمقبلين على الزواج حتى نتجنب مشاكل ما بعد الزواج والطلاق لأنه من أخطر المشاكل التي تواجه المجتمعات.
ويوضح "ع" أن أهم أسباب تأخر سن الزواج للشباب والبنات هو ارتفاع تكاليف الزواج المتمثلة في ارتفاع المهور، وتكاليف حفلات الزفاف، والأثاث، وارتفاع أسعار الذهب والعقارات والشقق السكنية، وغيرها من متطلبات الزواج.
هل تعدد الزوجات حل لمشكلة العنوسة؟
وفي رده عن مسألة تعدد الزوجات قال المرشد النفسي "ع.أ" إن التعدد لا يصلح لكل الناس ولكنه يصلح لفئة بعينها القادرة على العدل، والذي لديه المقدرة على أن يعطي لكل واحدة حقها في المأكل والمسكن والمضجع أو الفراش، فالتعدد ليس هو حل العنوسة وهو حل لمشكلة استثنائية.
المحطة الثانية لهذا التحقيق كانت مع الأستاذة "ع. س" التي قالت: في البداية أود أن ألفت النظر إلى أن العنوسة مشكلة اجتماعية تخص الرجال والنساء، وليست مشكلة قاصرة على النساء فقط، فلماذا نحمل مسؤولية العنوسة وتفاقمها للفتيات فقط؟ ولماذا نعتبر الفتاة سلعة محددة بوقت معين لزواجها إذا لم تتزوج فيه فقد انتهت صلاحيتها؟ أما الرجل فهو قادر على الزواج متى ما سنحت له الفرصة ولا يشعره المجتمع بأي نقص أو عيب فيما لو تأخر زواجه ولم يأت نصيبه بعد فهو في نظر المجتمع رجل لا يعيبه شيء وهذا هو التعبير الذي يحاكي واقع وحال هؤلاء الفتيات؟!
ويمكنني أن أشير إلى تعبير آخر مشين يستخدم للتعبير عن موضوع الزواج وهو يعكس تناقضاً آخر لمنظومة أفكارنا ونظرتنا للأشياء نحدد من خلاله نظرتنا إلى زواج المرأة بالقول إن الزواج قطار يتجاوزها في عمر معين لتصبح على قارعة الطريق فلا تجد في الحياة مشاركة أو تفاعل، بل تتحول إلى مشاهدة وحدث، فيقال عنها الكثير وتبقى محط استفهامات وتساؤلات ونظرات الجميع، أما الرجل فهو القطار الذي يتجاوز كل القوانين بما فيها نظرة المجتمع المؤلمة.
وتتساءل لماذا المجتمع لا يرى المرأة إلا بوجود رجل!!! ويعتبر الزواج هو الأساس وبذلك يلغي جميع مهارات الفتاة وجميع الأشياء المنتجة في شخصيتها إن كانت علمية أو عملية.
وأرجأت الأستاذة "ع.س" أسباب العنوسة للبنات وللشباب إلى أسباب اقتصادية. وترى أن التعدد ليس حلاً للعنوسة أن أي امرأة سواء بالغريزة قبل الثقافة لا يمكن أن تقبل فكرة التعدد؛ وأشارت إلى أن تعدد الزوجات مجرد رغبة من الرجل في الامتلاك مثلما يمتلك أي شيء بأمواله، ولدى بعض الرجال حب امتلاك النساء سواء بعلاقة مقننة أو غير مقننة، وأكدت أن هذا شكل مهين للمرأة ويعود بالحياة الإنسانية إلى الوراء...
العنوسة وآثارها النفسية:
عديدة هي المشاكل التي تخلفها وراءها مشكلة العنوسة في بنية المجتمع بشكل عام؛ وفي حياة الأفراد بشكل خاص، وكان لابد لهذا التحقيق أن يقف على تأثيرات العنوسة النفسية:
عندما تشعر الفتاة بأنها تحمل لقب "عانس" وتتخطى سن الزواج فإن هذا يعرضها لحالة من الإحباط وتصبح بعدها شخصية غير منتجة في المجتمع أياً كان في عملها أو دراستها أو أي مجال آخر تبدع فيه، وقليلاً ما نجد عانساً تتمتع بحياة طبيعية مقارنة بغيرها من المتزوجات حتى إذا كانت ناجحة ومتفوقة في مجال العمل! فالعانس ربما تعاني الوحدة على الرغم من كثرة الناس حولها في بعض الأحيان وتشعر بالانطوائية والانعزالية، وهي من أبرز المشكلات التي تصيب الفتيات بسبب تأخر سن الزواج، هذا بالإضافة إلى إهمالها لنفسها ومظهرها وتصرفاتها ما يؤدي إلى مشكلة أكبر وهي وصولها إلى مرحلة الاكتئاب، وتبدأ في رفض هذا المجتمع الذي لا يراها إلا بوجود رجل، وهذا الشعور يكون مختلفاً عند الشباب، فالمشكلة تكون أخف وأقل عندهم لأن المجتمع ينظر لهم على أنهم رجال لا يعيبهم شيء، بالإضافة إلى أن الرجل لديه الكثير من الحجج كمبرر أمام المجتمع والناس لتأخره في الزواج.
ويجب أن ننوّه بأنه يجب على الأهل تربية بناتهم على أن الزواج مسألة نصيب إذا تم فهو خير لهم، وإذا تأخر فهذا لا يلغي مكانتها الاجتماعية لديهم، فالانحراف من أكثر المشاكل التي يعاني منها المجتمع بسبب تأخر الزواج وخصوصاً الشباب لتمتعه بحرية أكبر من الفتاة.
أخيراً:
الإعراض عن الزواج لدى الجنسين في مجتمعنا بات ظاهرة ملحوظة تكاد تصل إلى درجة الاستفحال!! وملاحظة هذه الظاهرة، ومتابعتها بالدراسة، والتحليل، والنقد، والمعالجة أمر ضروري لتدارك جوانبها السلبية، وتأثيراتها الاجتماعية، والنفسية، والأخلاقية؛ والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: على عاتق من تقع هذه المهمة والمسؤولية؟.